رأي

​فقه الاستهبال.. وبضاعة “الهبوط الناعم” في سوق الكساد

فيصل أبكر شرف

 

​فيصل أبكر شرف 

​إن المأساة الحقيقية التي نعيشها اليوم ليست في غطرسة السلطة فحسب، بل في تلك “البضاعة البائرة” التي يحاول سدنة النظام القديم وواجهاتهم المدنية تسويقها تحت مسميات براقة مثل “الوفاق الوطني” أو “تجاوز مرارات الماضي”. إن ما يحدث في دهاليز السياسة ليس بحثاً عن مخرج للوطن، بل هو محاولة بائسة لـ “إعادة تدوير النفايات” وتجميل القبح الذي أورثنا الخراب.

​لقد تحدثنا سابقاً عن ضرورة الهندسة بدلاً من الترميم، ولكن يبدو أن البعض ما زال يصر على استخدام “الجبس” لإخفاء شقوق في جدار آيل للسقوط. إن سلطة الأمر الواقع التي تتخذ من بورسودان ستاراً لها، ليست مجرد إدارة مؤقتة، بل هي غرفة عمليات لإعادة إنتاج “الدولة العميقة” بنسخة أكثر رداءة. هؤلاء الذين يتباكون اليوم على السيادة الوطنية هم أنفسهم الذين باعوا مقدرات الشعب في سوق النخاسة السياسي لعقود، وهم اليوم يرتدون أقنعة “الحرص على المؤسسات” ليحموا امتيازاتهم المالية وشبكاتهم التنظيمية.

​المعركة الآن ليست معركة كراسي، بل هي معركة “وعي” بامتياز. يجب أن نعي أن كل منظمة مجتمع مدني “مصنوعة”، وكل حزب “كرتوني” يخرج علينا بمبادرة، ليسوا سوى مخالب لهذا التنين الذي يرفض أن يموت. إن استثمار قرارات التصنيف الأخيرة لا يكون بالخطابات الحماسية، بل بانتزاع المشرط وقطع الشرايين المالية التي تغذي هذه الخلايا النائمة. المال المنهوب الذي يدير اليوم “الذباب الإلكتروني” ويوجه الرأي العام الرقمي، هو ملك للشعب السوداني، واسترداده ليس خياراً سياسياً بل هو واجب وطني وأخلاقي.

​إننا نرفض بوضوح “الابتزاز العاطفي” الذي يمارسه البعض باسم الوحدة الوطنية لشرعنة وجود القتلة والفاسدين في مشهد المستقبل. الوحدة الوطنية تُبنى على العدالة والمحاسبة، لا على “عفا الله عما سلف” التي أوردتنا المهالك. إن بوابة المستقبل لن تفتح بمفاتيح صدئة، ولن نسمح بأن تكون تضحيات السودانيين جسراً يعبر فوقه “الانتهازيون” مرة أخرى.

​إنها لحظة الحقيقة؛ فإما تأسيس حقيقي لدولة المواطنة والمؤسسات، وإما الاستمرار في دوامة “الترقيع” التي لن تزيد الجرح إلا اتساعاً. نحن لا نهوى المعارك العبثية، لكننا لن نصمت أمام محاولات اختطاف الدولة من جديد تحت ستار المدنية الزائفة.

​المجد للتأسيس.. والخزي لسماسرة الأوطان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!