تفكيك التمكين بين ضرورات العدالة وتشكيك الجدوى: هل تعود الدولة أم تتكرر التجربة؟
التنوير تقرير

التنوير تقرير
في خضم واحدة من أعقد المراحل التي تمر بها الدولة السودانية، عاد الجدل بقوة حول استئناف عمل لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو، بين من يراها ضرورة قانونية وأخلاقية لا تحتمل التأجيل، ومن يعتبرها مجرد إعادة إنتاج لتجربة سابقة لم تحقق أهدافها. وبين هذين الموقفين، يتشكل نقاش عميق حول طبيعة الدولة، وحدود العدالة، وإمكانية إنفاذ القانون في ظل واقع مضطرب تهيمن عليه الحرب والانقسام.
مبررات العودة.. العدالة المؤجلة لا تسقط بالتقادم
يرى المؤيدون أن استئناف عمل اللجنة يمثل خطوة أساسية في مسار استعادة الدولة، وأن تعطيلها سابقاً كان جزءاً من محاولات إجهاض عملية تفكيك بنية التمكين التي تشكلت على مدى ثلاثة عقود. ويستند هذا الاتجاه إلى منطق قانوني مفاده أن الدولة، بوصفها كياناً اعتبارياً، لا تتوقف وظائفها بتغير الحكومات، وأن القوانين التي أُقرت بإرادة سياسية مشروعة تظل قائمة ما لم يتم إلغاؤها بشكل رسمي.
كما يشدد هذا التيار على أن الفساد ونهب المال العام لم يعودا شأناً داخلياً، بل أصبحا خاضعين لمنظومة دولية تتيح ملاحقة الأموال المنهوبة عبر الحدود، خاصة في ظل تطور آليات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وبذلك، فإن استئناف عمل اللجنة لا يُنظر إليه فقط كإجراء داخلي، بل كجزء من التزام دولي يفرض على السودان ملاحقة الأصول المنهوبة واستعادتها.
ويضيف أنصار هذا الرأي أن الحرب نفسها تجعل من الضروري تتبع مصادر تمويلها، معتبرين أن الأموال التي تم تهريبها أو إعادة تدويرها قد تكون أحد روافد استمرار النزاع، ما يجعل تفكيك الشبكات المالية المرتبطة بالنظام السابق خطوة في اتجاه إضعاف بنية الحرب.
معسكر الرفض.. تجربة فاشلة أم أداة انتقائية؟
في المقابل، يرى الرافضون أن إعادة اللجنة لا تمثل حلاً حقيقياً، بل تعكس عجزاً عن ابتكار آليات أكثر فاعلية. ويستند هذا الاتجاه إلى تقييم سلبي لتجربة اللجنة السابقة، التي يعتبرها لم تنجح في تفكيك البنية العميقة للنظام، بل اقتصرت – في نظرهم – على إجراءات سطحية مثل الفصل من الوظائف أو مصادرة محدودة داخل نطاق العاصمة.
كما يوجه هذا التيار انتقادات حادة لما يصفه بـ”تسييس” عمل اللجنة، حيث تم – بحسب رأيهم – استبدال تمكين بآخر، عبر تعيين عناصر محسوبة على قوى سياسية بعينها في مواقع تم إخلاؤها، دون تحقيق معايير العدالة أو الكفاءة. ويرى البعض أن غياب جهاز تنفيذي قوي لتنفيذ قرارات اللجنة، إضافة إلى ضعف التنسيق مع الأجهزة العدلية والأمنية، ساهم في إفراغ قراراتها من مضمونها.
ويذهب الرافضون أبعد من ذلك، معتبرين أن الأزمة في السودان ليست مجرد “فساد” يمكن معالجته بلجان، بل هي أزمة بنيوية تتعلق بطبيعة الدولة نفسها، التي تشكلت – وفق هذا الطرح – على أسس نخبوية ومركزية منذ العهد الاستعماري، مما يجعل أي معالجة جزئية غير كافية.
البعد السياسي.. صراع سرديات أم معركة دولة؟
لا يمكن فصل الجدل حول اللجنة عن السياق السياسي الأوسع، حيث تتداخل فيه روايات متعددة حول المسؤولية عن الأزمة، وطبيعة المرحلة الانتقالية، ودور القوى المختلفة في تعثرها. فبينما يرى البعض أن تفكيك التمكين هو شرط أساسي لبناء دولة مدنية ديمقراطية، يرى آخرون أن التركيز عليه دون معالجة شاملة لبنية السلطة قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة بأشكال جديدة.
كما يبرز في هذا السياق خطاب حاد من بعض الأطراف، يتجاوز نقد التجربة إلى الدعوة لاجتثاث كامل لتيارات سياسية بعينها، وهو ما يثير مخاوف من انزلاق الخطاب العام نحو الإقصاء، بدلاً من بناء مشروع وطني جامع. في المقابل، يتمسك تيار آخر بضرورة الفصل بين المحاسبة القانونية، التي يجب أن تستند إلى أدلة وإجراءات عادلة، وبين التعميمات السياسية التي قد تؤدي إلى مزيد من الاستقطاب.
التحديات العملية.. بين القانون وواقع الحرب
يطرح الواقع الميداني تحديات كبيرة أمام أي محاولة لإحياء عمل اللجنة. فضعف مؤسسات الدولة، وتعدد مراكز القوة، وتعطل الأجهزة العدلية في بعض المناطق، كلها عوامل تجعل تنفيذ القرارات أمراً معقداً. كما أن استعادة الأموال المنهوبة في الخارج تتطلب تعاوناً دولياً وإجراءات قانونية طويلة ومعقدة.
ومع ذلك، يشير بعض الخبراء إلى أن الأدوات القانونية الحديثة، خاصة في مجال تتبع الأموال ومكافحة غسلها، قد توفر فرصاً حقيقية إذا ما تم استخدامها بشكل مهني ومنظم. فمجرد تصنيف الأموال كـ”مشبوهة” قد يؤدي إلى تجميدها في النظام المصرفي العالمي، حتى قبل صدور أحكام قضائية نهائية.
لكن يبقى التحدي الأكبر هو ضمان أن تكون كل الإجراءات محكومة بسيادة القانون، وأن تُعرض في نهاية المطاف أمام قضاء مستقل يضمن حقوق جميع الأطراف، ويحول دون تحول العملية إلى أداة لتصفية الحسابات.
بين الضرورة والإصلاح.. أي طريق للمستقبل؟
إن الجدل حول عودة لجنة تفكيك التمكين يعكس في جوهره سؤالاً أعمق: كيف يمكن للسودان أن يؤسس لمرحلة جديدة قائمة على العدالة دون الوقوع في فخ الانتقائية أو التسييس؟ فالمؤيدون يرون فيها أداة لا غنى عنها لاسترداد الدولة، بينما يخشى الرافضون من تكرار أخطاء الماضي.
وربما تكمن الإجابة في الجمع بين المسارين: الإبقاء على مبدأ المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب، مع تطوير آليات أكثر شفافية واستقلالية، تضمن أن تكون العدالة شاملة لا انتقائية، ومؤسسية لا شخصية. فالدولة التي يسعى إليها السودانيون لن تُبنى فقط بإزالة آثار الماضي، بل بترسيخ قواعد جديدة تمنع تكراره.
وفي ظل هذا التحدي، يبقى الأمل معقوداً على وعي السودانيين وقدرتهم على تحويل هذا الجدل من صراع مواقف إلى فرصة لإعادة تعريف معنى الدولة والعدالة في آنٍ واحد.




