
نجم الدين دريسة
حين تفقد المؤسسات حيادها، تتحول من حارسٍ للوطن إلى عبءٍ عليه
في خضم الحرب الدائرة في السودان، تتكشّف ملامح أزمة أعمق من مجرد صراع عسكري، أزمة تمتد جذورها لعقود، وتعيد طرح سؤال جوهري حول طبيعة المؤسسة العسكرية نفسها: هل لا تزال جيشاً قومياً، أم أنها تحوّلت إلى كيان مؤدلج تحكمه شبكات وتنظيمات سياسية؟
إن قراءة المشهد الراهن لا تكتمل دون العودة إلى الخلف، حيث تشير الوقائع إلى أن العلاقة بين الجيش السوداني والحركة الإسلامية ليست طارئة، بل تمتد لما يقارب نصف قرن. هذه العلاقة، التي بدأت في سياقات سياسية معقدة، تطورت مع الزمن إلى تداخل عميق، تجاوز حدود التأثير إلى مستويات أكثر تعقيداً، شملت إعادة تشكيل البنية الفكرية والمؤسسية للجيش.
منذ أغسطس 1955، ارتبط اسم الجيش السوداني بسجل طويل من الانتهاكات، حيث شكّل ذلك التاريخ نقطة بداية لمرحلة اتسمت باستخدام القوة المفرطة ضد المدنيين في سياقات متعددة. ومع تعاقب الأنظمة، لم تتغير هذه الأنماط بشكل جذري، بل أعيد إنتاجها في صور مختلفة، ما جعل المؤسسة العسكرية محل انتقادات مستمرة من جهات حقوقية ودولية.
ومع صعود التيار الإسلامي إلى السلطة في تسعينيات القرن الماضي، دخلت المؤسسة العسكرية مرحلة جديدة، حيث لم يعد الجيش مجرد أداة تنفيذية، بل أصبح جزءاً من مشروع أيديولوجي متكامل. فقد شهدت الكلية الحربية خلال تلك الفترة تغييرات عميقة في معايير القبول والتأهيل، ما أدى إلى تخريج أجيال من الضباط المرتبطين فكرياً بالحركة الإسلامية، وهو ما انعكس لاحقاً على طبيعة القرار داخل المؤسسة.
هذا التحول ساهم في تآكل الطابع القومي للجيش، وأدى إلى بروز ملامح “التأدلج” داخل صفوفه، حيث لم يعد الولاء للوطن وحده هو المحدد، بل تداخل مع انتماءات فكرية وتنظيمية. وهو ما يفسر استمرار حضور هذه الشبكات داخل المؤسسة، حتى بعد سقوط النظام الذي رعاه.
في الميدان، لم يقتصر الأمر على التغيرات الفكرية، بل امتد إلى طبيعة العمليات العسكرية نفسها. فقد لجأ الجيش، في مراحل مختلفة، إلى الاستعانة بمليشيات مسلحة، بعضها ذو طابع قبلي، وأخرى ذات خلفية أيديولوجية. هذا النمط من “الحرب بالوكالة” أدى إلى تعقيد المشهد، وفتح الباب أمام انتهاكات واسعة، يصعب ضبطها أو محاسبة مرتكبيها.
كما تشير تقارير متعددة إلى استخدام أسلحة محظورة دولياً، بما في ذلك أسلحة كيميائية، في بعض مناطق النزاع. هذه الاتهامات، إن ثبتت صحتها، تمثل خرقاً خطيراً للقانون الدولي الإنساني، وتضع المؤسسة العسكرية في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي.
ولم تتوقف الاتهامات عند هذا الحد، بل شملت أيضاً استهداف الأعيان المدنية، من مستشفيات ومدارس وبنية تحتية، في سياق العمليات العسكرية. هذا النمط من الاستهداف يعكس، بحسب مراقبين، غياب التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية، وهو مبدأ أساسي في قوانين الحرب.
وفي سياق متصل، تبرز تقارير تشير إلى وجود علاقات بين الجيش السوداني والنظام الإيراني، سواء على مستوى الدعم العسكري أو التنسيق السياسي. هذه العلاقة، التي تعود إلى سنوات سابقة، تعزز من المخاوف الدولية، خاصة في ظل الاتهامات المرتبطة بنقل تقنيات عسكرية أو دعم لوجستي.
كل هذه المعطيات تضع المؤسسة العسكرية السودانية أمام تحدٍ غير مسبوق. فالصورة التي تتشكل في الخارج لم تعد تقتصر على جيش يخوض حرباً داخلية، بل كياناً تحيط به شبهات تتعلق بالتأدلج، والانتهاكات، والارتباطات الإقليمية.
في ظل هذا الواقع، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل يمكن إعادة بناء الجيش كمؤسسة قومية مستقلة، أم أن التراكمات التاريخية جعلت هذا الهدف أكثر تعقيداً؟
الإجابة على هذا السؤال لا تتعلق فقط بمستقبل الجيش، بل بمستقبل السودان نفسه. فالدول لا تُبنى فقط على أساس القوة العسكرية، بل على شرعية هذه القوة، ومدى التزامها بالقانون، وقدرتها على تمثيل كل مكونات المجتمع دون انحياز.
وفي نهاية المطاف، يبقى الطريق مفتوحاً على احتمالين: إما مراجعة جذرية تعيد تعريف دور المؤسسة العسكرية، أو استمرار في مسار قد يقود إلى مزيد من العزلة والضغوط، في عالم لم يعد يتسامح مع الغموض في مثل هذه القضايا.




