
دكتور خالد تارس
يبدو ان قرار استئناف عمل لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو ازعج الفلول لدرجة ان غرف التضليل الإعلامي فقدت مواجهات إدارة الحرب بالكذب، إزالة التمكين هي المولد الشرعي لزخم الثورة السودانية، كان قرار العودة انعكاس حقيقي لمحاولة إحياء أهم أدوات العدالة الانتقالية التي ارتبطت بمطالب الثوار حتى سقوط الطاغية أبريل 2019. فالذي جعل الفزع في لدى المفسدين كبيرا وبث الرعب في قلوبهم، أن إزالة التمكين تعلن مزاولة نشاطها هذه المرة برئاسة محمد الفكي سليمان بدلاً من جنرال الحرب والبلبوسي ياسر العطاء، فقد شكل العطاء أكبر معوق لاستراتيجية تفكيك النظام الاخواني، ويومها لم تكن إزالة التمكين قرار إداري بقدر ما كانت استجابة مباشرة لشعارات الثورة الداعية إلى (تفكيك) بنية السلطة المركزية التي تشكلت عبر حقبة من التمكين السياسي والاقتصادي.!
وتكتسب لجنة التفكيك اهميتها هذه المرة من كونها تعمل بقيادة جديدة ورؤية محاسبية رادعه، وهي دلالات تتجاوز مسألة استئناف النشاط إلى جوهر الصراع القائم حول طبيعة الدولة واتجاهاتها. ولا يمكن قراءة هذه الخطوة بمعزل عن التحولات التي أعقبت إجراءات الخامس والعشرين من أكتوبر اي الحرب التي اشعلها الكيزان وأعادت تشكيل موازين القوى داخل المشهد السياسي القائم بالدم وفتحت الأبواب أمام إعادة ترتيب النفوذ بين الفاعلين. وبالتالي فإن إعادة تفعيل اللجنة أقرب إلى محاولة استعادة مسار (تعثر) أكثر من كونها بداية جديدة.!
ولفهم أهمية عودة اللجنة، لا بد من استحضار الدور الذي لعبته في المرحلة السابقة، ونجاحاتها عبر أدوات مختلفة في كشف شبكات الفساد الاخوانية التي نشأت مع سياسات التمكين والتي تم من خلالها توظيف مؤسسات الدولة لخدمة مصالح تنظيمية (ضيقة) على حساب المال العام ومفهوم الدولة.! هذا الاستكشاف ساهم في بناء وعي عام حول الاختلالات البنيوية التي أصابت مؤسسات الحُكم لسبعة عقود من السنوات. لم يكن دور لجنة إزالة التمكين خاليًا من القصور والهنات رغم أهميته، وقد أظهرت التجربة أن التعامل مع بعض الملفات اتسم بقدر من التردد وبعض الانحيازات، حيث بدأ القرار أقل حسماً مما تتطلبه طبيعة المرحلة الثورية. وقد يعكس ذلك تداخل الاعتبارات السياسية مع المسار (العدلي).. هذا التداخل أضعف من قدرة اللجنة على الذهاب إلى نهايات أكثر ردعاً في محاسبة المتورطين من العناصر (الاخوانية).!
وفي ضوء التحليلات فإن إعلان اللجنة عن توجهها في تتبع الشبكات المالية والتنظيمية المرتبطة بنظام الإنقاذ الاخواني يمثل محاولة جادة لتجاوز تلك المحدوديات، وقد أشار بيان عودة إزالة التمكين إلى ضرورة التعاون مع جهات عدلية إقليمية ودولية ما يوحي بإدراك متزايد لطبيعة هذه الشبكات، التي امتدت عبر مسارات مالية وتنظيمية (معقدة) تمر عبر مجموعة من الدول.
وتكتسب عودة اللجنة بُعداً إضافياً يرتبط بالتحولات في البيئة الدولية، ويتزايد الاهتمام في هذا السياق بمراقبة شبكات التمويل المرتبطة بالإسلام السياسي، بما فيها الشبكات المرتبطة بالإخوان المسلمون في السودان. ورغم تباين المواقف الدولية تجاه تصنيف هذا التنظيم كجماعة إرهابية عالمية، إلا أن الاتجاه العام يشير إلى تشدد متصاعد في تتبع الأنشطة المالية العابرة للحدود، خاصة في البحرالأحمر وبورتسودان بعد الهجوم الأمريكي إسرائيلي على إيران.!
إن إعادة تفعيل اللجنة قد يفتح المجال أمام كشف مستويات أكثر تعقيدًا من البنية (المالية) المرتبطة بهذه العصابه داخل السودان وربطها بامتدادات خارجية ظلت بعيدة عن الرقابة. وإذا ما أُحسن توظيف هذه الأوضاع، فإن اللجنة ستسهم في وضع جزء من هذه الجماعات في دائرة المساءلة والحصار، وسيمنحها ذلك بعداً سياسياً يتجاوز الإطار المحلي إلى فضاء أكثر تشابكاً وتداخلاً، يتزامن هذا التطور مع تحركات سياسية أخرى تثير تساؤلات مشروعة حول اتجاه المرحلة وان بعض الإجراءات تعكس نمطاً يكرس لإعادة إنتاج العلاقات التقليدية داخل السلطة، حيث تتداخل الأدوار وتُعاد صياغة مراكز النفوذ بطرق لا تنسجم مع شعارات التغيير الكلي، وسيطرح ذلك إشكالية حقيقية حول مدى جدية التحول السياسي، في ظل استمرار آليات عمل غير شفافة.؟
ويشير ذلك إلى أن الأزمة لا تتعلق فقط بوجود شبكات فساد إسلامية، بل بطبيعة البنية التي تسمح بإعادة إنتاجها مجدداً تحت كل الظروف، فغياب الإصلاح الجذري في بنية الدولة القديمة أو يسمى ب ٥٦ يجعل من أي جهد تفكيكي خطوة جزئية فقط، وربما قابلة للتراجع أو الالتفاف عليها. ومن هنا فإن نجاح اللجنة التفكيك لن يقاس فقط بعدد الملفات التي تفتحها والإجراءات الشكلية التي تتم، ولكن بمدى قدرتها على العمل في بيئة (سياسية) تسمح بالمحاسبة الفعلية.؟
وتمثل عودة لجنة إزالة التمكين فرصة حقيقية لتصفية عصابه نظام الإنقاذ الفاسده، واختبار حقيقي لإرادة التغيير عبر آليات جماهيرية، وقد رأينا كيف كان منبر ازالة التمكين محضورا بالمراقبين وعبره عرف المواطنين كيف كان النظام يسرف في نهب المال العام. ولكن في هذه المحاوله الجديده يجب الاستفادة من الظرفين المحلي والدولي للاسهام في إعادة رسم ملامح العدالة الانتقالية في السودان. وكلما ظلت اللجنة محكومة بالقيود السابقة فسوف تتحول العودة إلى استئناف شكلي لأداة فقدت جزءاً من فعاليتها المطلوبة. وتظل تجربة لجنة إزالة التمكين مرتبطًا بالسؤال الأهم الذي يوضح ما إذا كانت البلاد تتجه نحو تفكيك حقيقي لبنية الماضي الظالم، أم ستواصل الدوران في دائرة إعادة إنتاج الظلم بأنماط أخري متطورة، هذا السؤال لن تجيب عليه الشعارات البراقه ولا النشرات الصحفية بقدر ما تجيب مآلات الأفعال على أرض الواقع.





لابد من تفكيك نظام الإرهاب نظام اللصوص صاموله صاموله