
فضيلي جمّاع
في تعريفه للاستبداد، يقول مفكر عصر النهضة عبدالرحمن الكواكبي في مؤلفه الشهير “طبائع الاستبداد” الذي صدر في 1902م: (الاستبداد لغةً هو غرور المرء برأيه والأنفة عن قبول النصيحة أو الاستقلال في الرأي وفي الحقوق المشتركة.) ويضيف عن صفات المستبد: (المستبد عدو الحق، عدو الحرية وقاتلهما.) ص 15.
من الواضح أنّ أنظمة الاستبداد منذ فجر التاريخ حتى يومنا هذا تجمعها عداوة الحرية ورفض الآخر. يشترك في ذلك طغاة ما قبل التاريخ مروراً بهتلر وموسوليني في عصرنا وانتهاءً بصغار الآلهة الذين حين أسكرهم خمر السلطة في بلادنا صاح أحد الديكة بينهم نافشاً ريشه: ما حنسلِّمها إلا لعيسى، أي إنهم باقون في الحكم إلى أن تقوم الساعة.
يحضرني في هذا السياق ما قاله المؤرخ والسياسي الإنجليزي لورد إدوارد آكتون: السلطة مدعاة للفساد، والسلطة المطلقة فساد مطلق Power tends to corrupt, and absolute power corrupts absolutely.
والإخوان المسلمون في بلادنا – بمسمياتهم السياسية المختلفة – ما انفكوا طامعين في الانفراد بالسلطة ولو على جثث ملايين السودانيين. مخطئ من يحسب أنّ ثورة 19 ديسمبر 2018 – التي حازت إعجاب العالم والكامنة في قلوب الملايين حتى اللحظة – مخطئ من يحسب أنها قضت على نظام الإخوان المسلمين في السودان أو ردمت أوكاره. ففي الفترة التي زادت على الأربع وثلاثين سنة ظلت الحية التي أذاقت شعبنا الأمرين تسلخ جلدها كلما انتفض شعبنا، وتلبس وجهاً جديداً، وتذيق ملايين السودانيين ألوان الإهانة والبؤس.
انتقل تنظيم الإخوان المسلمين الذي قام على يد حسن البنا وآخرين في مارس 1928 كحركة إصلاحية في الإسماعيلية بمصر إلى القاهرة وتحول إلى حركة سياسية. من يومها والتنظيم يرفع راية الدين للوصول إلى السلطة، ويمد أذرعه كالأخطبوط عبر القارات. واهم من يحسب أنّ تنظيم الإخوان المسلمين يؤمن بفكرة الوطن. أما رهانهم على السودان منذ اندلاع نشاطهم السياسي بعد انتفاضة أكتوبر عام 1964م فهو محاولة للحصول على رقعة أرض ينطلقون منها لإقامة إمبراطورية المال والسلطة التي هي حلم تنظيمهم العالمي.
حاولوا استلام السلطة في السودان في أول انقلاب عسكري على حكومة الجنرال عبود – انقلاب البكباشي علي حامد عام 1959م والذي شارك فيه أمين عام الإخوان المسلمين آنذاك الرشيد الطاهر بكر والذي حكم عليه بالسجن خمس سنوات. لم يتوقف تنظيم الإخوان المسلمين تحت مسمياته الجديدة جبهة الميثاق الإسلامي والجبهة القومية الإسلامية عن السعي للمشاركة في عدد من محاولات قلب السلطة حتى قاموا بانقلابهم على السلطة الديمقراطية في 30 يونيو 1989م، فكانت القشة التي قصمت ظهر بعير حلم السودانيين بإقامة وطن ديمقراطي يسع الجميع.
من يومها وأنهار الدم تسيل في أرض شعب السودان المسالم. في الجنوب حتى فصلوه، وفي جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق وفي دارفور وفي الشرق. بدأوا بتسمية الحرب الأهلية في الجنوب حرباً جهادية، وساقوا لها كتائب المقاتلين من شباب قضى المئات منهم نحبه تحت وعد بالجنة والحور العين. حاولوا هذه اللعبة في حربهم الحالية، لكنهم استبدلوا الجهاد هذه المرة بالاستنفار وما أسموه حرب الكرامة. تغبيش للوعي تبثه طواحين أكاذيبهم في الفضاء السايبري الذي ينفقون عليه ملايين الدولارات من أموال دافع الضرائب السوداني المغلوب على أمره. يتحدثون كثيراً عن الجيش السوداني الذي وضعوه تحت إبطهم منذ انقلابهم العسكري المأفون عام 1989م وتمت أدلجته، مثلما تمت أدلجة كل مؤسسات الدولة الأخرى من عسكرية ومدنية.
وهنا نقول لمن يحلمون بجيش سوداني: إنّ فكرة الجيش أصلاً قائمة على التراتبية hierarchy أي إنّ من يعلوك رتبة هو من يعطيك الأوامر. فالجيش مختطف منذ العام 1989. ويعرف السودانيون غير المغيبين أنّ الكلية الحربية لا تقبل في دفعاتها منذ أكثر من ثلاثة عقود إلا من ضمن التنظيم أنه يأتمر بأمره.
وما تبقى من الجيش الحالي يخضع كل من فيه بدءاً بالبرهان – الذي أعياه اللف والدوران هذه الأيام وانتهاءً بآخر ضابط صف – يخضع لتوجيهات قيادة هذا التنظيم الفاشي. هم يعرفون جيداً أنّ حربهم الحالية حرب للقضاء على روح ثورة ديسمبر التي استشرت في كل بيت.
وما أقض مضاجعهم أنّ هزيمة ثورة شعبنا مستحيلة.
لقد أذاق الإخوان المسلمون شعب السودان الحنظل. خمسة وثلاثون عاماً من الحروب المستمرة والقتل والسحل والجوع والتشريد واللجوء في قارات العالم الست. لكنهم يجهلون أنّ شعباً قطع رأس ممثل أكبر إمبراطورية في القرن الماضي يصعب الجلوس على جثته حتى مجيء عيسى كما يحلمون. هذا شعب دفن الشهداء تباعاً، لكن أرحام حرائره تلد ثائراً وثائرة مع مطلع كل شمس.
اليوم عرف أكثر الناس جهلاً بحقيقة هذا التنظيم الفاشي أنّ قادته وتابعيهم ليسوا سوى طلاب دنيا وسعاة من أجل السلطة ولو على رقاب الملايين من أبناء وبنات شعبنا. انتهت شعارات هي لله وما لدنيا قد عملنا. الإسلام السياسي – سني أو شيعي كما قال الكاتب والأديب السوداني الدكتور النور حمد – غايته السلطة والانفراد بها. اليوم وقد وقع الفأس في الرأس كما يقول مثلنا العامي، وتم تصنيفهم كتنظيم إرهابي عابر للقارات، اليوم مادت الأرض تحت أقدامهم. ورأينا كيف بدأ كبارهم يقفزون من القارب. لقد أذقتم شعباً مسالماً من الذل والمسغبة والهوان ما لم تره أجيال منه في تاريخنا الطويل. وستضيق بكم الأرض بما رحبت.
قال الحق في محكم تنزيله: ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين – آل عمران 54. وفي التفسير أنّ مكر الإنسان هو الخبث والدهاء، أما مكر الله فهو استدراج خبثاء البشر من حيث لا يعلمون.
كأني وأنا أمعن التفكر في حالهم البائس في هذا الشهر الفضيل ونحن مقبلون على عيد الفطر المبارك، كأني أقرأ كلمات الشهيد محمود محمد طه عليه رضوان الله: وسوف يقتلعون من أرض السودان اقتلاعاً.




