رأي

يوم انكشاف الوهم

حسن النعمان

 

حسن النعمان 

في ذاكرة الأوطان لحظات فاصلة لا تُمحى، لحظات تُسقط الأقنعة وتعيد ترتيب المعاني، وتكشف ما كان مستورًا خلف شعاراتٍ رنّانة وخطاباتٍ منمّقة. ويأتي الخامس عشر من أبريل بوصفه واحدة من تلك اللحظات الثقيلة في تاريخ السودان؛ يومٌ لم يكن عابرًا، بل محطة كشفت هشاشة ما بدا صلبًا، وعرّت واقعًا ظلّ طويلًا متوارياً خلف ستار القوة والهيبة.

على امتداد قرنٍ من الزمان، بُنيت صورة لمؤسسةٍ عسكرية قيل إنها حامية الوطن ودرعه الصلب، غير أن هذا البناء، الذي بدا متماسكًا في الظاهر، سرعان ما تهاوى عند أول اختبار حقيقي. لم يكن السقوط مجرد تعثرٍ عابر، بل انكشافٌ عميق لطبيعة التكوين، حيث تبيّن أن ما تراكم عبر السنوات لم يكن بالضرورة قوةً حقيقية، بل توازنات هشة قابلة للانهيار في لحظة.

وفي موازاة ذلك، امتدت تجربة سياسية وفكرية لعقود طويلة، رُفعت خلالها شعارات ذات طابع ديني وأخلاقي، وقدّمت نفسها باعتبارها مشروعًا للنهضة والإصلاح. غير أن الممارسة على أرض الواقع كشفت مسافةً شاسعة بين القول والفعل، حيث تحوّلت تلك الشعارات إلى أدوات للتمكين والسيطرة، وأصبح الخطاب وسيلةً لتبرير سياساتٍ عمّقت الأزمات بدل أن تعالجها.

لقد حملت تلك السنوات إرثًا ثقيلاً من التحديات، حيث تراجعت مؤسسات الدولة، وتآكلت الثقة بين مكوناتها، وتفاقمت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، حتى وجد المواطن نفسه في مواجهة واقعٍ يزداد قسوةً يومًا بعد يوم. ومع تراكم الأزمات، لم يعد بالإمكان إخفاء الخلل أو تأجيل مواجهته، فجاءت لحظة الانكشاف لتضع الجميع أمام الحقيقة دون مواربة.

إن ما جرى لا يمكن قراءته بمعزل عن سياقٍ أطول من الاختلالات البنيوية وسوء الإدارة، حيث أدّت الأخطاء المتراكمة إلى إضعاف الدولة ومؤسساتها، وفتح المجال أمام مزيد من التعقيد والانقسام. وفي مثل هذه اللحظات، يصبح التاريخ مرآةً قاسية تعكس النتائج الحتمية لما تم زرعه على مدى سنوات طويلة.

ومع قسوة المشهد، فإن في هذه اللحظة درسًا بالغ الأهمية: أن الشعارات، مهما بدت براقة، لا يمكن أن تصمد دون واقعٍ يدعمها، وأن إدارة الدول لا تقوم على الخطاب وحده، بل على مؤسسات قوية، ورؤية واضحة، وممارسة مسؤولة تعلي من شأن الوطن فوق كل اعتبار.

يبقى الخامس عشر من أبريل علامة فارقة، ليس فقط لأنه كشف الخلل، بل لأنه فتح بابًا لإعادة التفكير، ومراجعة المسار، والبحث عن مستقبلٍ مختلف. فالأوطان، مهما تعثرت، تملك دائمًا فرصة للنهوض، شريطة أن تُقرأ الدروس بصدق، وأن يُبنى القادم على أسسٍ أكثر صلابة وعدلاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!