رأي

مناوي… مأزق الخطاب

عبد الرحمن ابو رندة ،، بنسلفانيا 

 

عبد الرحمن ابو رندة ،، بنسلفانيا 

قد تنكر العين ضوء الشمس من رمدٍ… وقد ينكر الفم طعم الماء من سقم

في واحدة من أكثر لحظات المشهد السياسي السوداني التباسًا، يواصل المارشال مني أركو مناوي إنتاج خطابٍ مثقل بالتناقضات، يجمع بين حدّة الادعاء وضعف الاتساق، حتى بات حضوره أقرب إلى ظاهرة سياسية تعكس أزمة أعمق في بنية الفعل العام، لا مجرد مواقف عابرة أو تصريحات منفلتة.

منذ توقيعه على اتفاقية سلام أبوجا عام 2006، وهي الاتفاقية التي وُصفت في حينها بأنها لم تتجاوز كونها تسوية جزئية ذات طابع خارجي أكثر من كونها مشروعًا وطنيًا جامعًا، ظل مناوي يتنقل بين المواقع والتحالفات بطريقة عززت الانطباع بأنه فاعل سياسي محكوم بحسابات آنية، لا برؤية استراتيجية متماسكة. ولم يكن غريبًا، في هذا السياق، أن تتردد حوله أوصاف من داخل دوائره القريبة تشير إلى نزعة انتهازية، وضيق أفق سياسي، وميل إلى الجمود الفكري، وهي سمات  إن صحت  تفسر كثيرًا من مساراته المتعرجة.

هذا الإرث من التقلبات السياسية ينعكس بوضوح في خطابه الحالي، الذي يتسم بطابع تصادمي، تغلب عليه نزعة إطلاق الأحكام دون تأسيس موضوعي كافٍ، مع ميل ملحوظ إلى تبني روايات تفتقر إلى التماسك، أو تقوم على فرضيات لا تصمد أمام التدقيق. وفي بلد متعدد الأعراق والثقافات والهويات كالسودان، فإن مثل هذا الخطاب، المتأثر في كثير من الأحيان باعتبارات ضيقة، لا يسهم إلا في تعميق الانقسام وإضعاف فرص بناء مشروع وطني جامع.

تجلّى هذا الارتباك بصورة أكثر وضوحًا في تصريحه الأخير، الذي دعا فيه إلى القبض على قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وتسليمه إلى المحكمة الجنائية الدولية. فبينما يبدو هذا الطرح، في ظاهره، متسقًا مع مبدأ المساءلة، إلا أن قراءته في سياقها السياسي تكشف عن قدر كبير من الانتقائية. إذ إن الدعوة إلى العدالة لا تستقيم إذا ما قُدّمت بمعايير مزدوجة، أو جرى توظيفها كأداة ضمن صراع سياسي محتدم.

والأكثر إثارة للتساؤل أن هذا الموقف يأتي في وقت تشير فيه الوقائع إلى أن مناوي اصطف ضمن معسكرات سياسية وعسكرية معقدة، تتداخل فيها علاقات وتحالفات مع قوى ظلت محل جدل واسع، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي. وهو ما يضعه أمام مفارقة حادة: كيف يمكن المطالبة بمساءلة طرف، مع تجاهل السياقات الأوسع التي تشمل أطرافًا أخرى ارتبطت بملفات أكثر تعقيدًا، بعضها ظل لسنوات تحت نظر العدالة الدولية دون حسم؟

إن هذا التناقض لا يمكن فصله عن طبيعة الخطاب الذي يتبناه مناوي، والذي يميل في كثير من الأحيان إلى التصعيد اللفظي دون أن يسنده مشروع سياسي واضح أو برنامج عملي قابل للتطبيق. فبدلاً من الإسهام في تهدئة المشهد أو الدفع نحو حلول واقعية، يتحول الخطاب إلى عامل إضافي في تأزيم الوضع، وإعادة إنتاج حالة الاستقطاب الحاد التي تعيق أي تقدم نحو الاستقرار.

كما أن المفارقة تزداد عمقًا حين يُنظر إلى طبيعة الصراع الراهن، حيث تتداخل فيه أبعاد الثورة الشعبية، والاتفاقات السياسية التي كادت أن تفتح أفقًا لحل الأزمة، مع واقع جديد فرضته الحرب التي اندلعت في الخامس عشر من أبريل. وفي هذا السياق، فإن الاصطفافات التي اختارها مناوي تضعه في موقع لا يخلو من التناقض مع كثير من الشعارات التي يرفعها، خاصة فيما يتعلق بمسألة العدالة والشرعية السياسية.

إن الإشكال الحقيقي هنا لا يكمن فقط في تصريح بعينه، بل في نمط متكرر من المواقف التي تفتقر إلى الاتساق، وتُدار بمنطق ردود الأفعال، لا بمنهجية تستند إلى قراءة عميقة للواقع. وهذا ما يجعل الخطاب، مهما بدا حادًا أو صاخبًا، عاجزًا عن إقناع جمهور يبحث عن وضوح الرؤية وثبات الموقف.

لقد تحوّل مناوي، بفعل هذا المسار، إلى نموذج يعكس أزمة القيادة في السياق السوداني: حضور إعلامي لافت، يقابله فراغ في المشروع، وخطاب مرتفع السقف، يقابله ضعف في البناء السياسي. وهي معادلة لا تنتج قيادة بقدر ما تعيد تدوير الأزمة في صور مختلفة.

ختامًا، فإن السودان اليوم أحوج ما يكون إلى قيادات تتسم بالاتساق والمسؤولية، وتملك القدرة على الجمع بين الجرأة في الطرح والانضباط في الموقف. أما الاستمرار في إنتاج خطابات متناقضة، تُلبس العدالة ثوب الانتقائية، وتُدار بمنطق الخصومة لا بمنطق الدولة، فلن يقود إلا إلى مزيد من التيه السياسي، وتعميق الفجوة بين الخطاب والواقع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!