
مليح يعقوب حماد : باحث في ادارة التنّوع
ظل سؤال الهوية جرحاً نازفاً ينهش جسد الدولة السودانية؛ تتصارع حوله الإجابات، ويحاول كل نقيض فيه نفي الآخر. وبين مطرقة “العروبة” وسندان “الأفريقانية”، تاه الإنسان السوداني في صراع أيديولوجي عقيم، أورث البلاد حروباً وتشظياً وشتاتاً. من هنا، تنبثق “السودانوية” كخيار استراتيجي أملته ضرورة البقاء، لتخرج من رفوف الأرشيف المنسي وتصبح المرشّح الأول لقيادة مشروع التغيير، وتحقيق المصالحة التاريخية الكبرى، ممهدة الطريق لتفكيك بنية الدولة القديمة المأزومة. يهدف هذا المقال إلى استشراف مفهوم جديد للسودانوية، بوصفها هوية مفتوحة وإطاراً جامعاً يرى فيه كل مواطن نفسه، دون شعور بالدونية أو الإقصاء
الانعتاق من “الأسر الأيديولوجي”
إن جوهر السودانوية يكمن في قدرتها الفائقة على تفكيك “الثنائيات القاتلة”. لسنوات طويلة، أُجبر العقل الجمعي على الاختيار القسري بين هويتين متخاصمتين، وكأن الانتماء لجهة يستلزم بالضرورة عداء الأخرى. وفي أتون هذا الصراع، عانت المكونات السودانية “الأخرى” وفشلت في تحديد موقعها من الإعراب الوطني؛ فالهوية السودانية بروافدها أوسع من أن تُختزل في قطبي “العروبة والأفريقانية” فقط.
هناك مكونات سودانية من أصول قبطية، ويهودية، وتركية، وآسيوية، آثر بعضها الصمت أو اضطر لتغيير جلده الثقافي اتقاءً للإقصاء، والأدلة على ذلك لا تحصى. لقد آن الأوان لكي يجد الجميع موطئ قدم عند تعريف الذات، بوصف “المواطنة المتساوية” حقاً مشروعاً لكل سوداني، وليست منحة من أحد. إن الذاكرة السودانية المثقوبة تحتفظ بقصص لمكونات (كالطائفة اليهودية في الخرطوم، والشمالية، وكردفان، ودارفور) اضطر أفرادها لإخفاء أصولهم رغم أنهم جزء أصيل من الهجين السوداني. ومن المفارقات المريرة، أن يحصل السوداني المهاجر إلى أمريكا أو أوروبا على هويته الجديدة بعد خمسة أعوام، بينما هنالك سودانيون عانوا لانتزاع الاعتراف بسودانيتهم رغم وجودهم في هذه الأرض لأكثر من أربعة قرون. تأتي السودانوية هنا كـ “مانيفستو” للخروج من نفق التيه؛ لتقول إن السودان لا يمثّل مجرد “جسر” بين العرب وأفريقيا، بل هو كيان قائم بذاته، له خصوصيته الوجدانية الفريدة وتراكمه الحضاري الذي يعيد تعريف “السودنة” كصبغة حيوية تتطور مع الزمن، لا محطة جامدة تقف عندها الذاكرة.
ركائز الهوية الهجين: ثالوث البقاء
تستمد السودانوية قوتها من ثلاثة روافد أساسية تشكل الوجدان الجمعي:
العمق الحضاري المتصل: الذي يمتد من جذور كوش ونبتة ومروي، مروراً بالممالك المسيحية، وصولاً إلى السلطنات الإسلامية؛ فهي حلقات متصلة في سلسلة حضارية واحدة، وليست قطائع تاريخية منفصلة.
التعددية الخلاقة: الاعتراف بأن التنوع اللغوي والعرقي ثراء حضاري وليس مهدداً أمنياً. إن المواطن السوداني الحقيقي هو من يتسع وجدانه لصوت “الطنبور”، ونبض “النوبة”، وإيقاعات “المردوم” والكرنق، ورقصات “الفرنقبية”، وأصوات “الوازا” في آن واحد، دون فصام داخلي أو استعلاء عرقي.
المواطنة الدستورية المتساوية: وهي المشروع السياسي الذي يحول الدولة من “راعية لهوية أيديولوجية أو عرقية محددة” إلى “ضامنة لجميع المكونات” تحت سقف القانون، حيث ترتبط الحقوق بالانتماء للتراب لا بالنقاء العرقي أو القرب من دوائر السلطة.
من ثورة ديسمبر إلى 15 أبريل: وعي الفعل والاشتباك
إن الناظر إلى حراك الأجيال الحالية، منذ ثورة ديسمبر 2018 وصولاً إلى المحطة المفصلية في 15 أبريل، سيتأكد أن السودانوية تحولت من حيز التنظير إلى واقع معاش. إن ما نشهده اليوم من نزاع عسكري دامٍ هو، في جوهره، الانفجار الأعنف لصراع “المركز والهامش”، وامتداد طبيعي لفشل سياسات التهميش التاريخية وبنية الدولة التي قامت على الإقصاء.
هذا الجيل المتسلح بالوعي يمارس “السودانوية” اليوم كفعل مقاومة ورفض للتمزق. لقد أثبتت التجربة أن الشباب هم الحامل الحقيقي لمشروع السودانوية، لقدرتهم على تجاوز “عُقد” النخب السابقة، وإيمانهم بأن الهوية مساحة للإبداع المشترك وليست خندقاً للاختباء أو منصة لإقصاء الآخر.
التحدي الراهن: من الفكرة إلى العقد الاجتماعي
إن الحروب التي نهشت جسد الوطن هي النتيجة الحتمية للفشل في ابتكار “عقد اجتماعي” يعبّر عن الجميع. التحدي اليوم يتجاوز صياغة الدساتير القانونية إلى إعادة بناء “الوجدان الشعبي”؛ ليتقبل فكرة أن “السودانوية” هي المظلة الشاملة، وأن إضعاف أي مكون ثقافي أو جغرافي هو بالضرورة إنقاص من هيبة السيادة الوطنية. إن معركة 15 أبريل، برغم مرارتها وقسوتها، وضعت الجميع أمام الحقيقة العارية: إما “سودانوية” جامعة تحقق العدالة والمواطنة، أو ارتهان لشتات وضياع لا ينتهي.
خاتمة: نحو وجدان متصالح مع ذاته
إن السودانوية تمثّل اعترافاً شجاعاً بفرادة نسيجنا، ودعوة لكل سوداني لكي يحلم بلغته، ويعتز بتاريخه دون شعور بالنقص تجاه أي مركز حضاري آخر. يبدأ الاستقرار الحقيقي حين نتوقف عن سؤال “من نحن؟” بلهجة المتشكك والمأزوم، ونبدأ بقول “نحن السودانيون” بلغة الواثق الذي يدرك تماماً أين تضرب جذوره في عمق الأرض، وكيف تعانق أغصانه عنان السماء.




