رأي

حين تتحول الهزيمة إلى سلاح ضد الشعب

حسن النعمان

 

حسن النعمان

ليست الهزيمة في ميادين القتال نهاية الحروب، لكنها تتحول إلى مأساة أخلاقية وإنسانية حين يعجز المهزوم عن مواجهة خصمه، فيوجّه نيرانه نحو شعبه. هنا لا يعود الصراع مجرد تنازع عسكري، بل ينزلق إلى مستوى أشد خطورة، حيث يصبح المدنيون هدفًا مباشرًا لانتقامٍ أعمى.

منذ اندلاع الحرب في الخامس عشر من أبريل، تكشف مسار الأحداث عن نمط مقلق؛ فمع كل تراجع ميداني، يتسع نطاق الاستهداف ليطال الأسواق والمستشفيات ومناطق السكن، في مشهد يُجرّد الحرب من أي معنى أو ضابط. لم تعد هذه المواقع فضاءات للحياة، بل تحولت إلى ساحات مفتوحة للعنف، تُنتهك فيها أبسط قواعد الإنسانية.

هذه الممارسات لا يمكن إدراجها ضمن أخطاء الحرب أو انزلاقاتها، بل تبدو أقرب إلى نهجٍ ممنهج يعكس انحدارًا خطيرًا في منظومة القيم. فحتى أكثر الحروب قسوة تحتفظ بحدودٍ دنيا، غير أن ما يجري اليوم يتجاوز تلك الحدود، ويقوّض ما تبقى من أي ادعاء بالمسؤولية أو الالتزام الأخلاقي.

وفي كردفان ودارفور، يتخذ هذا المشهد أبعادًا أكثر قسوة، حيث يتعرض السكان لدورات متكررة من العنف، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذه الحرب وأهدافها. هل هو صراع على السلطة فحسب، أم أن هناك مسارًا أخطر يسعى إلى تفكيك النسيج الاجتماعي عبر بث الخوف وإشعال الانقسامات؟

الأثر الحقيقي لهذه الأفعال لا يقف عند حدود اللحظة الراهنة، بل يمتد عميقًا في المستقبل. فالحروب لا تقتل الحاضر وحده، بل تزرع بذور أزمات طويلة الأمد؛ كل طفل يفقد الأمان، وكل أسرة تُقتلع من جذورها، وكل مجتمع يُدفع نحو الهشاشة، هو جرح مفتوح في جسد الغد.

لقد أُغلقت مسارات الحوار، ليس لأن السلام مستحيل، بل لأن الثقة تآكلت تحت وطأة هذه الانتهاكات. وحين تتلاشى الثقة، لا يبقى سوى ميزان العدالة؛ عدالة لا تقوم على الانتقام، بل على المساءلة، ولا تغذّي الصراع، بل تضع حدًا له.

إن ما يُرتكب اليوم لن يُمحى من ذاكرة الشعوب، فالتاريخ لا ينسى، والحقوق لا تسقط بالتقادم. وكل محاولة لتجاوز هذه الحقائق إنما تؤجل المواجهة مع استحقاقات لا مفر منها.

التغيير لم يعد احتمالًا… بل ضرورة تفرضها وقائع الواقع ومسؤولية المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!