رأي

من القمع إلى الانهيار المدوي لجيش الأيديولوجيا

علي سانتينو

 

علي سانتينو 

لو كانت الحروب تُحسم بالصراخ في القنوات الإعلامية، لشاهد الناس جيش البرهان يحتفل بالنصر في قلب واشنطن وتل أبيب، ولو كانت المعارك العسكرية تدار بالأكاذيب والدعاية، لن يفرّ جنود البرهان حامياتهم في النيل الأزرق ودارفور، تاركًين الخنادق والمدافع خلفهم. المشكلة أن الواقع لا يشاهد نشراتهم، ولا يتأثر ببياناتهم، ولا يصدق تلك المسرحيات الهزلية التي يقدمها خبراء الانتصارات الوهمية على مدار الساعة.

المشهد ببساطة لا يحتاج إلى تهويل ولا تحليل معقّد، هو واضح في ان هذا الجيش بدأ يتفكك ميدانيًا ويتعرى أمام المراقبين، لكن بالمقابل هناك إعلام ينفخ كالبالون ليغطي على العجز الفاضح، وكلما سقط موقع او حاميه للجيش خرجوا ببيان إعادة تموضع. وحين يهرب الجنود إلى دول الجوار يقولون انسحابًا تكتيكيًا، وعندما يتُركون مخازن السلاح قالوا خطة استدراج محكم، فالحقيقة الوحيدة التي لا يريدون قولها هي أنهم يُهزمون وبشكل مخجل.

الغريب ان هذه الأبواق الإعلامية الناعقة لم تعد تقنع الأطفال حتى، وبذلك تتجاوز مرحلة التضليل إلى مرحلة السخرية من العقول. هؤلاء المنافقون يتحدثون بثقة مدهشة عن السيطرة الكاملة ودحر التمرد ولا يعرفون أن صور الميدان تفضحهم، عدد من الآليات العسكرية متروكة، وجنود يركضون نحو الحدود، كأنهم حُمر مستنفره فرت من قسورة. وما يثير الشفقة أكثر ان تلك النبرة المتعالية التي تسمي قوات الكيزان بالجيش، إذا بها لا تصمد أمام اي اختبار حقيقي، وتترك خلفها ما يكفي من العتاد لغزو دولة بحالها. هذه ليست هزائم، هو انهيار أخلاقي وعسكري وإعلامي في آن واحد.

أما الحركة الإسلامية او التنظيم الإخواني، فهو أصل المهزلة وليس شريك لجيش البرهان، لا يزالون يعزفون على نفس الأسطوانة البالية، اسطوانة الجهاد ضد الأمريكان وإسرائيل، وما يسمونه بالصهيونية الامريالية، يا للسخرية، من لا يستطيع الصمود في النيل الأزرق سيهدد القوى العظمى، ومن يهرب من المعركة يتحدث عن تحرير القدس والقتال في طهران، إنها قمة الانفصال عن الواقع.

ان الإعلام التابع لهذه الجماعة ظل يعيش حالة إنكار جماعي، يتحدثون عن مشهد مصطنع، يكررون نفس العبارات، ويبيعون الوهم للراي العام بوقاحة نادرة. هؤلاء اتفقوا على تجاهل الفيل في الغرفة، حيث لا يوجد نصر، ولا تقدم، ولا يوجد حتى تماسك. هناك انهيار معنوي يُبث على الهواء مباشرة، فوصل البعض إلى مرحلة الكوميديا السوداء، يتحدث عن مؤامرة كونية لتبرير الفشل كأن العالم كله اجتمع لإسقاط هذا الجيش الأسطوري، لكن الحقيقة لا تحتاج إلى مؤامرة لإسقاط كيان أيديولوجي بني على الضعف واللاوطنية، يكفي أن يُترك يواجه نفسه.

الأدهى من ذلك وأمر، أن الأبواق الإعلامية للجيش لا تكتفي بالكذب، بل تمارس دورا رخيصًا من التحريض لدفع المزيد من الشباب إلى المحرقة، اما القادة فيختبئون خلف الشاشات أو يغادرون إلى عواصم آمنة. فالحقيقة التي حاولوا دفنها هو أن ما يُسمى بالجيش لم يكن يومًا مؤسسة وطنية، بل كان مشروعًا أيديولوجيًا مسلحًا، بارعًا في القمع الداخلي، وفاشلًا في أي مواجهة ميدانية. لذلك، حين جاءت لحظة الاختبار الحقيقي سقط القناع بسرعة لا يتصورها.

لقد أصبح الكثير يتسال عن الوقت الذي يستغرقه إعلام الاكاذيب للاعتراف بانهيار الجيش؟ وحتى ذلك الحين، سيستمر العرض السخيف للنصر الوهمي، والتحليلات الفارغة، وخطاب يحاول عبثًا إخفاء حقيقة واضحة للجميع. إنه زمن سقوط الأقنعة وزمن تحطم مكبرات الصوت. وزمان يتعلم فيه السودانيون أن الضجيج لا يصنع قوة، وأن الجيوش لا تُقاس بالإعلام كما تقاس بقدرتها على الصمود. أما هذه الأبواق فقد أتقنت شيئًا واحدًا هو الهزيمه بصوتٍ عال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!