رأي

الهيمنة المـصرية على السـودان: الصيحة الأخيرة قبل الابتلاع

دكتور النور حمد

 

دكتور النور حمد 

 “لن يستطيع أحدٌ أنْ يركبَ على ظهرِك، ما لمْ تكُنْ منحيًا”

مارتن لوثر كينج

تمهيد

هذه الحرب الجارية الآن في السودان، التي حصرتها أجهزة الإعلام والرأي العام السوداني، خطأً، في كونها حربًا بين الجيش الذي حوله تنظيم الإخوان المسلمين السوداني إلى مليشيات متعددة، وبين قوات الدعم السريع، هي في نظري بخلاف ذلك. هذه الحرب، فيما أرى تخفي وراءها، ما لا يعكسه التشخيص الكاذب الذي طغى على حقيقتها. فهي في الأصل حربٌ بين الشعب السوداني الذي يريد أن يصحح مسار استقلاله المسروق منذ 1956، وبين المؤسسة المصرية الحاكمة التي تريد استمرار إبقاء هيمنتها على السودان، بل وإيصالها إلى الإلحاق التام للسودان بالقطر المصري. هذه الحرب الأخيرة لم تبدأ في 15 أبريل 2023، وإنما بدأت في اللحظة التي أُزيح فيها الرئيس المخلوع عمر البشير عن سدة الحكم في 11 أبريل 2019. فالنظام المصري الذي كان أول من رحَّب بانقلاب الترابي/البشير في عام 1989، عاد ليكون أكثر الأنظمة العربية التي شقَّت عليها إزاحة نظام الترابي/البشير الدموي، الفاسد عن السلطة في عام 2019. لقد استطاع النظام المصري في الفترة الممتدة من 1989 إلى 2018، أن يروِّض ما تسمى الحركة الإسلامية في السودان ويضعها تحت قبضته تمامًا. لقد استغل النظام المصري تورط النظام الإخواني السوداني في محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في أديس أبابا في عام 1995، فاقتطع من السودان مثلث حلايب. ثم ما لبث أن أسهم في فرض العقوبات الدولية عليه وقام بحراسة تلك العقوبات في المحافل الدولية. ففي أبريل 2017، أي قبل أقل من عامين من سقوط نظام الإخوان المسلمين في السودان، وصف وزير الخارجية إبراهيم غندور الموقف المصري المؤيد للإبقاء على العقوبات المفروضة على السودان منذ عام 2005، بموجب القرار (1591)، بأنه: “موقف شاذ وغريب، طالب به نائب المندوب المصري في الأمم المتحدة، في مجلس الأمن الدولي”. عمومًا استمر النظام المصري في ترويض نظام الإخوان المسلمين في السودان، حتى أوصلهم إلى رضوخٍ كاملٍ له. وقد بلغ هذا الخضوع درجةً غير مسبوقةٍ في فترة حكم الفريق البرهان الحالية التي تمثل أسوأ فترات حكم الإخوان المسلمين في السودان من حيث الخسائر البشرية والمادية. عبر هذه الفترة الطويلة من الابتزاز المصري الدبلوماسي، لنظام الإخوان المسلمين في السودان، حصل النظام المصري بالإضافة إلى احتلال مثلث حلايب، على مساحاتٍ شاسعةٍ من الأراضي الزراعية في السودان. وعلى تدفُّقٍ غير مسبوقٍ للسلع السودانية غير المصنعة إلى مصر. وكذلك، في جر النظام السوداني ليصطف وراء ما تراه مصر فيما يتعلق بملف مياه النيل، خصمًا على مصلحة السودان فيها. وأخيرًا سمع نظام الإخوان المسلمين ممثلاث في الفريق البرهان لمصر لكي تصمم خطة لإعادة إعمار ما خربته الحرب في السودان وتمنح نفسها نصيب الأسد فيها بلا مناقصات.

عقب سقوط نظام عمر البشير مباشرة، صمت النظام المصري صمت القبور. وقد فعل ذلك في وقتٍ تقاطرت فيه أجهزة الإعلام العربية والعالمية إلى السودان لتغطي اعتصام القيادة العامة الذي خلب ألباب العالم، غابت أجهزة الإعلام المصرية، ولزم النظام المصري الصمت وكان ذلك من أقوى الأدلة على أن مصر ليست راضيةً عما يجري في السودان. وفي الوقت الذي كان فيه الاتحاد الأفريقي والرئيس الأثيوبي أبي أحمد منخرطين في التوفيق بين قوى الثورة وعسكر نظام الرئيس المخلوع عمر البشير، ليجري توقيع الوثيقة الدستورية وتبدأ الفترة الانتقالية المفضية إلى التحول الديمقراطي، كان النظام المصري منهمكًا في إعداد الخطط للإجهاز على الثورة بالتحالف مع الفريق عبد الفتاح البرهان، الذي لم يكن في نيته، أبدًا، تسليم السلطة إلى المدنيين، والسماح بقيام نظام ديمقراطي عقب الفترة الانتقالية. وبالفعل بدأت فصول الخطة المصرية للإجهاز على الثورة تتوالى، منذ مجزرة فض اعتصام القيادة العامة في 3 يونيو 2019، وإلى اليوم. ولقد وضعتنا هذه الحرب الجارية حاليًا، عبر تداعياتها المختلفة، أمام منعطفٍ تاريخيٍّ حاسم: فإما أن نمضي بثورتنا هذه نحو استعادة استقلالنا المسروق بواسطة المصريين ومعاونيهم من الداخل من السودانيين، وإما أن نبقى تحت الهيمنة المصرية التاريخية، وبصورة أنكأ مما سبق، ولفترةٍ مقبلةٍ طويلةٍ جدًا.

أخطاؤنا التاريخية

هذه الحرب المدمرة وما نحن فيه الآن، هي الخلاصة التي قادتنا إليها أخطاؤنا التي تراكمت منذ الإستقلال. لم تستطع النخب السياسية التي أدارت حراك الاستقلال أن تنجز استقلالاً حقيقيًا يفكك التركة الاستعمارية المصرية. فقد خرجت مصر من السودان مثلما خرجت إنجلترا. لكن مصر تركت وراءها جيشًا من السودانيين المتمصرين هوياتيًا وثقافيًا. وهذا أمر استثمرت فيه مصر منذ الغزو الخديوى للسودان في عام 1821. وحين بدأ الحكم الوطني عقب لحظة الاستقلال برزت معه دعوة الإسلام السياسي، مصرية الجذور. وما لبثت الطائفتان الكبيرتان؛ طائفتا الأنصار والختمية والحزبان الكبيران التابعان لهما؛ أن رضخا للابتزاز السياسي الذي مارسته عليهما جبهة الميثاق الإسلامي بالشعارات الدينية الزائفة، التي رفعها الدكتور حسن الترابي، عقب ثورة أكتوبر 1964.

لقد رأت الطائفتان وحزباهما مجاراة الدكتور الترابي في خطه الداعي لتحكيم الشريعة الإسلامية، خشية أن يسرق الترابي منهما سندهما الشعبي المتديِّن. فبدلاً من أن تواجهاه وتكشفا زيف شعاراته، كما فعل الأستاذ محمود محمد طه، حينها، اصطفتا وراءه وسارتا على دربه. وكان أكبر تجسيدٍ للاستجابة لابتزاز الدكتور الترابي للطائفتين بالشعارات الإسلامية، انسياقهما وراءه في مؤامرة حل الحزب الشيوعي السوداني في عام 1965. وقد حدث ذلك بعد عام واحدٍ فقط من الثورة. وهو نفس العام الذي شهد الانتخابات العامة التي تمكن فيها الحزب الشيوعي السوداني من نيل 11 مقعدًا في البرلمان (الجمعية التأسيسية)، في حين لم تحصل جبهة الميثاق الإسلامي، بقيادة حسن الترابي، حينها، سوى على 3 مقاعد.

أزعجت الجماهيرية التي حُظي بها الحزب الشيوعي في انتخابات 1965 تنظيم الإخوان المسلمين والقوى الطائفية التي انجرت وراءه. فجرى، من ثم، التدبير لمؤامرة حل الحزب الشيوعي السوداني، في نفس ذاك العام. ولكي يصبح ذلك ممكنًا، كان لابد من تعديل مادة الحريات الأساسية في الدستور. وبالفعل عُدِّلت المادة وجرى طرد نواب الحزب الشيوعي من البرلمان، على الرغم من السند الجماهيري الذي أتي بهم إلى البرلمان عبر انتخاباتٍ حرة نزيهة وشفافة. أكثر من ذلك، أن أغلبية نواب الحزب الشيوعي السوداني كانوا قد جاءوا إلى البرلمان من دوائر الخريجين، المخصصة للمتعلمين.

عقب حل الحزب الشيوعي شرع الحزبان ومن خلفهما جبهة الميثاق الإسلامي في كتابة ما سمي بـ “الدستور الإسلامي”، حتى بلغا به مرحلة القراءة الثانية. وكان ذلك الدستور “غير الدستوري”، على وشك الإجازة، لولا أن أجهض إجازته انقلاب مايو 1969 الذي قام به العقيد جعفر محمد نميري. ولأن المفكر الإسلامي التقدمي، الأستاذ محمود محمد طه قد عارض ذلك التوجه، آنذاك، وقام بحملةٍ قويةٍ في فضحه وتعريته في المنابر العامة، كان رد فعل الجهات السلفية الواقفة وراء حزب الدكتور الترابي، أن استغلت القضاة الشرعيين لمحاكمته وأدانته بتهمة الردة في 18 نوفمبر 1968. وقد قابل الحزبان الكبيران ذلك الحكم الغريب بالصمت، الذي دلَّ على مباركتهما له. وفي تقديري، كانت تلك هي اللحظة الفارقة، التي علا فيها صوت الهوس الديني والغوغائية الشعبوية على الدستور، وعلى الحقوق الأساسية، وعلى مكتسبات الحداثة، وعلى سلطة المعرفة. من حينها، تنامى الهوس والشعبوية الدينية والغوغائية. ولم تعد للوعي بالدستور وبالديمقراطية والحقوق الأساسية أي فرصةٍ للتقدم.

تنكُّب الجادَّة 

لقد كان خطأً استراتيجيًّا فادحًا، ذلك الذي وقعت فيه الطائفتان وحزباهما الكبيران عقب ثورة أكتوبر 1964. فتداعيات ذلك الخطأ، المتمثلة في الرضوخ لابتزاز الإخوان المسلمين لهما بالخطاب الديني، الذي استمر لعقود، قاد، في نهاية المطاف، إلى سيطرة الإخوان المسلمين على مجريات السياسة في السودان. فقد تركت الطائفتان للدكتور حسن الترابي الفرصة لكي يحفر تحت أقدامهما، بمثابرةٍ شديدة، حتى نفَّذ ضدهما وضد الديمقراطية، انقلابه في يونيو 1989. والغريب أن الترابي نفَّذ انقلابه، في وقتٍ كان الوزن الانتخابي لجماعته قد انتقل من 3 مقاعد في البرلمان في انتخابات 1965، إلى 53 مقعدًا في انتخابات 1986. لقد أدى تبني الحزبين الكبيرين أجندة الدكتور حسن الترابي، وحرصهما على خطب وده، بل والتحالف معه، وعدم شعورهما بالخطر الداهم الذي كان يمثَّله، إلى أن يدفع هذان الحزبان، ومعهما البلاد، ثمنًا باهظًا للغاية. لقد كانت غفلةً كبيرةً تلك التي جعلت هذين الحزبين الكبيرين ينصرفان عن مجابهته فكريِّا حين بزغ نجمه، وقد كانت السلطة في يدهما. لكنهما، اختارا عوضًا عن ذلك، في التعاطي معه الألاعيب التكتيكية قصيرة النظر. وقد اتضح عمليًّا أن الدكتور الترابي كان أبرع منهما في ذلك النهج.

باختصارٍ شديدٍ، ما نحن فيه الآن كان نتيجةً لسلسلةٍ طويلةٍ من الأخطاء التي شكَّلت، في جملة الأمر، بنية الممارسة السياسية في السودان، المتسمة بقصر النظر وبالنفعية وقلة الاكتراث بالمبدئية وبالتخطيط الاستراتيجي السليم. ولا يختلف في ذلك، اختلافًا جوهريًّا، من ظلوا يقفون في صف الثورة الآن، منذ ديسمبر 2018، ومن ظلوا يعملون ليل نهار لوأدها. فانعدام الرؤية الاستراتيجية والانغماس في المناورات وفي التكتيك، والتركيز على الكسب الآني، هو ما ظل يغلب على القوى السياسية السودانية. ولقد دلَّ سلوك قوى الحرية والتغيير المجلس المركزي، في الفترة الانتقالية على هذا النهج. بل، ولا يزال الحال كما هو، حتى بعد أن تحوَّلت قوى الحرية والتغيير المجلس المركزي، إلى صورتها الجديدة المسماة “تنسيقية تقدم”، التي انشطرت في الأيام القليلة الماضية ليتخذ ما تبقى منها اسم “صمود”.

أما جماعة الدكتور الترابي، فقد كان التكتيك القائم على الألاعيب السياسية وممارسة التضليل والابتزاز بالشعار الديني هو ديدنها الثابت الذي لا يتغير. ولا غرابة، فالجماعة مرتكزةٌ أصلاً على فكرةٍ دينيةٍ فاشيةٍ، تبرر فيها الغاية كل وسيلةٍ ممكنةٍ، مهما كانت وحشيتها ودمويتها، ومهما كانت صادمةً للحس الإنساني السليم. بل، ومهما كانت نقيضةً للقيم الدينية نفسها، التي تدعى الجماعة رعايتها والدفاع عنها. ولسنا بحاجة لذكر ما كان يجري من بشاعاتٍ في جنوب السودان، وفي بيوت الأشباح، وما جرى في دارفور منذ 2003، وما جرى في مجزرة فض الاعتصام أمام مباني القيادة العامة للجيش. وأيضًا، ما حدث من قنصٍ متواصلٍ بالبنادق للشبان والشابات في كل التظاهرات التي قاموا بها في هذه الثورة. وما جرت ممارسته من دهس للثوار بسيارات الأمن والشرطة في شوارع الخرطوم. بل وما طفح في هذه الحرب من إعداماتٍ ميدانيةٍ بشعةٍ لكثيرين، ومن جزٍّ للرؤوس وبَقْرٍ للبطون ونهشٍ للأحشاء بدعوى التعاون مع قوات الدعم السريع. وأيضًا من قصفٍ جويٍّ يوميٍّ انحصر في استهداف البسطاء من المدنيين، ومن تصفياتٍ خسيسةٍ غادرةٍ سبق أن طالوا بها عضويتهم نفسها، عبر الثلاثين سنة الماضية، التي حكموا فيها البلاد بقبضةٍ حديدية.

حصاد الهشيم

ما نحن فيه الآن هو حصاد الهشيم لسلسلة الأخطاء الاستراتيجية الفادحة التي أشرنا إليها. وأقفز من هنا لأقول: إن كل الذي ظل يجري منذ الاستقلال، وإلى يومنا هذا، قد قاد إلى علوِّ صوت الخطاب الديني المتعصب والهوس الديني، وإلى تراجعٍ مريعٍ لاستقلالية القضاء وحكم القانون. كما قاد إلى توحُّشٍ صادمٍ فالتٍ، وفوضى، وانهيارٍ للدولة، وانعدامٍ لأبسط مقومات الأمن الشخصي. لقد أوصلنا كل ذلك إلى أن نعيش حقبةً مظلمةً، رثَّةً، كئيبةً، تفشت فيها المظالم والوحشية، وخلت من أي إنجازٍ ذي بال. وقد انتهت بنا هذه الحقبة إلى كلِّ ما هو فوضوي وهمجي وقبيح، إلى أن وصلنا إلى كارثة الحرب الماحقة الراهنة، التي شردتنا بصورةٍ لا مثيل لها. كما أحاطتنا من كل حدب وصوب بأشباح الموت المحلقة فوق الرؤوس، في كل لحظةٍ وأخرى. وكذلك، بالعوزٍ والجوعٍ وانغلاق الأفق، ما وضعنا جميعًا على حافة اليأس. ولا أظنني أغالي إن قلت: ليس في هذه الحقبة، التي امتدت منذ فجر الاستقلال وإلى اليوم، ما يصلح لكي نصحبه معنا إلى مستقبلنا. فلو نظرنا، على سبيل المثال، إلى معسكر السياسيين والمثقفين الواقفين مع الثورة، فإننا نجده عاجًّا، بكثيرٍ ممن طبعتهم الممارسة السياسية المرتهنة للنفعية بطابعها. وآية ذلك، إن عددًا مقدَّرًا، من رموز الفكر والثقافة والسياسة قد وضعوا أنفسهم في خدمة الأجندة الاستلحاقية المصرية. لقد بدأت حقبة ما بعد الاستقلال المضطربة هذه، بالانقسام التاريخي المعروف بين حزبيْ “الأشقاء الاتحاديين”، من جهة، و”الاستقلاليين”، من الجهة الأخرى. وهو انقسام أمام خياري استقلال السودان عن كل من بريطانيا ومصر اللتين تشاركتا استعماره في الفترة ما بين 1898 و1956، وبين الاستقلال عن بريطانيا وفي نفس الوقت الاتحاد مع مصر عقب خروج البريطانيين. وهاهي تلك القسمة الأولى تنتهي اليوم ونحن نرى أن بعضًا ممن كانوا “استقلاليين” قد أصبحوا “أشقاء”. بل، هم مرتاحون لهذا التحوُّل، رغم ما يرونه من مجريات هذه الحرب اللعينة، التي يلعب فيها النظام المصري أخبث الأدوار وأقذرها.

منعطف استعادة الاستقلال

المنعطف الذي نمر به الآن هو، بصورةٍ أساسية، منعطف استعادة استقلالنا المسروق. وهي سرقةٌ ما كانت لتحدث لولا أن نخبنا السياسية قد تعاونت فيها مع النخب العسكرية المصرية. بل، لا تزال بعضٌ من نخبنا تعمل، حتى هذه اللحظة، لكي تحول بيننا وبين أن نستعيد ذلك الجزء الأكبر المسروق من استقلالنا. لقد خرج البريطانيون من السودان في عام 1956، غير أن المصريين الذين شاركوهم استعمارنا المباشر في عام 1898 أخرجهم البريطانيون بسبب حادثة مقتل السير لي ستاك في القاهرة في 1924 وأصبحوا منذ ذلك التاريخ مستعمرين للسودان اسميًا. لكن، رغم ذلك لم يخرج المصريون من الصورة، من حيث التأثير على سلطة القرار السودانية، منذ الغزو الخديوي المصري للسودان في عام 1821، وإلى اليوم. لقد ترك المصريون وراءهم في هذين القرنين ما يماثل حصان طروادة. وهو مجموعة النخب العسكرية والمدنية السودانية التي ظلت تساعدهم على خلط الأوراق السياسية، ليبقى السودان رازحًا تحت استعمارهم المستتر، الذي لا نزال نعاني منه. بل ونواجه بسببه في هذه اللحظة التاريخية الحرجة خطر أن يجري إلحاق القطر السوداني بالقطر المصري، فيصبح وكأنه محافظة مصرية إضافية.

لقد أتاحت لنا هذه الحرب، على بشاعتها وكلفتها الباهظة، فرصةً ذهبيةً لكي نستعيد استقلالنا المسروق هذا. فإن نحن أخذنا بهذه الفرصة تحرَّرنا وانفكت، إلى الأبد، القيود التي ظلت تكبل بلادنا وتمنعها من الانطلاق. وإن نحن فرطنا في هذه اللحظة الحاسمة، فإن كوارث أكبر من هذه التي نحن فيها الآن ستكون في انتظارنا. ولسوف تنتهي تلك الكوارث، طال الزمن أم قصر، إلى تقسيم البلاد، بل وإلحاق جزءٍ منها بمصر، بصورةٍ نهائية. وقد بدأت ارهاصات ذلك تلوح في الأفق بل وبدأت بعض إجراءاتها تتخذ صورةً عمليه فيما سمي “خطة إعادة إعمار السودان” التي صممتها مصر.

استرجاع السودان وإعادة إلحاقة بالدول المصرية، ظل هو الحلم الذي ما انفكت مصر الرسمية تحلم به، وتعمل من أجل تحقيقه بدأبٍ شديد، منذ خروج جيوش محمد علي باشا من السودان في عام 1885. لذلك، لا أرى أن حالة الاستقطاب والاصطفاف القائمة الآن هي انقسامٌ بين الواقفين وراء جيش ما تسمى “الحركة الإسلامية السودانية” أو تنظيم الإخوان المسلمين، والواقفين وراء قوات الدعم السريع، كما يصور ذلك إعلام الفريق البرهان وغيرهم ممن يروجون لهذا التشخيص الخاطئ. وإنما هو اصطفافٌ بين الذين لا تزعجهم الهيمنة المصرية ويريدون العيش تحت ظلها، لأسباب تخصهم هم كنخب، وبين الذين يريدون خروجًا بائنًا للسودان من تلك الهيمنة التاريخية المكبِّلة، التي أقعدت البلاد وعطلتها وجعلتها في ذيل الدول الإفريقية والعربية في كل شيء.

الطمع المصري في السودان

من المعلوم أن لكل دولتين جارتين مصالح مشتركة مع بعضهما. وكثيرًا ما نسمع دولةً ما تقول: إن الدولة الأخرى تمثِّل عمقًا استراتيجيًا لها، وأن أمنهما لا ينفصلان، وهذا مفهوم جدًا في العلاقات الدولية. لكن، إذا تمعنَّا في نظرة الدولة المصرية نحو الدولة السودانية، وطريقتها في إدارة علاقاتها الحيوية معها، فإننا نجد أن انشغالها بالسودان يبلغ درجة الهوس. كما أن نهجها في حراسة مصالحها في السودان، نهجٌ استعلائيٌّ، فوقيٌّ، إملائيٌّ، أنانيٌّ، استحواذيٌّ، متغطرس. وفوق هذا وذاك فإن مصر بناء على استعمارها المباشر للسودان في القرن التاسع عشر وفي الربع الأول من القرن العشرين قبل أن يقصيها البريطانيون، ظلت تدير شؤونها مع السودان عبر جهاز المخابرات، وليس عبر وزارة الخارجية. وما ذاك إلا لأنها ترى السودان مجرد محافظة خرجت عن سلطتها ويجب استعادتها بكل سبيلٍ ممكن. ونحن نفهم المسببات الموضوعية لهذا الهوس، وهذا النهج المجافي للحكمة وللموضوعية. وما نريد للمصريين أن يفهموه أن هذا النهج من شأنه أن يلحق ضررًا فادحًا بمصالح البلدين.

قمت في عام 2012، بتقديم ورقةٍ في مؤتمرٍ عقده المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة. وكان المؤتمر تحت عنوان: “العرب والقرن الإفريقي: جدلية الجوار والانتماء”. وكانت الورقة بعنوان “من الاستتباع إلى الشراكة: في نقد نظرة مصر إلى جوارها الجنوبي”. وكان من ضمن حضور المؤتمر سيدتان من الباحثات المصريات المرموقات. دعوت في تلك الورقة إلى الانتقال من نهج الهيمنة والإملاء المصري الذي يجري التعاطي به مع السودان، منذ نيله استقلاله في خمسينات القرن الماضي، وإلى اليوم، إلى نهجٍ قائمٍ على تبادل المصالح والشراكات التي تنفع البلدين في إطارٍ يرعى مصالح الدولتين. ودعوت إلى عقد لقاءات بين الأكاديميين السودانيين والمصريين للعمل على تعديل الصورة المختلة القائمة حاليًا. لكن، بناءً على معرفتي بالكيفية التي ظلت تُحكم بها مصر من بداية الحكم الخديوي، فإن أملي لم يكن كبيرًا في الاستجابة لتلك الدعوة. وبالفعل، لم تجد الدعوة صدى في ذلك المؤتمر وفيما أعقبه. فالأقطار التي تحكمها أجهزة المخابرات، كما هو الحال في السودان ومصر، فإن من المتعذر جدًا أن تقوم برسم السياسات فيها مراكز الأبحاث المستقلة التي يقف عليها العلماء والباحثون، وإنما يُترك رسمها لرجال المخابرات محدودي المعارف، قصيري النظر الذين ينظرون إلى الأمور بمنظار الكسب والخسارة المباشرة فيما هو آني. وهكذا سارت الأمور إلى أن بلغت هذه الحرب الأخيرة المدمرة التي لعبت فيها الأطماع المصرية في الهيمنة على السودان واستتباعه اقتصاديًّا، وسياسيًّا، ودبلوماسيَّا، دورًا رئيسًا. كما أظهرت في نفس الوقت في فترة حكم الفريق البرهان هذه، خنوعًا وانبطاحًا سودانيًّا مخزيًا فاق كل خنوعٍ وانبطاح سابق أظهرته النخب السياسية الحاكمة في السودان لمصر، منذ الممالك الكوشية القديمة.

مصر هبة النيل والصحراء

مصر بلدٌ صحراويٌّ لا تتناسب مقوِّماتٍ الحياة فيه، مع التزايد المتسارع لعدد سكانه. فالحياة تنحصر في مصر في الشريط النيلي الزراعي بالغ الضيق، الذي لا يتعدى عرضه، في كثيرٍ من مناطقه الأكثر اتساعًا، بضع كيلومترات. وأكثر مناطق مصر الزراعية اتساعًا هي منطقة الدلتا، التي تبلغ مساحتها ما يزيد قليلاً على 24 ألف كيلومترًا مربعًا. والدلتا المصرية رقعة من الأرض الخصبة على شكل مثلث تجلس على زواياه الثلاث مدن القاهرة والإسكندرية وبورسعيد. وفي حين أن مساحة الأراضي الصالحة للزراعة في السودان تقارب 200 مليون فدان، فإن الأراضي الصالحة للزراعة في كامل مصر لا تتعدى 10 ملايين فدان. ولذلك، يمكن القول، إنه لا يوجد أي تناسبٍ يذكر بين مساحة الأراضي الصالحة للزراعة وللعيش عليها في مصر وبين عدد السكان الذي يتزايد بوتيرة بالغة السرعة. وعلى عكس ذلك تمامًا، فإننا نجد أن عدد السكان في السودان قليلٌ جدًا بالقياس إلى أراضي السودان الشاسعة الصالحة للزراعة. ولذلك فإن انشغال مصر بالسودان انشغالٌ لا مثيل له. فالسودان، من عديد النواحي الاقتصادية يمثل المتنفس الوحيد ليكون هناك اقتصادٌ مصري قادرٌ على أن يؤمن للبلد حاجتها.

لقد كان السودان، منذ الأزمنة السابقة للميلاد، المستودع الذي تأخذ منه مصر الكثير مما تحتاجه من موارد. ومع تقدم الأزمنة ونشوء الاقتصادات الحديثة جعلت ضغوط الجغرافيا مصر منشغلةً بالسودان هذا الانشغال الاستثنائي. فبالإضافة لضيق الأراضي في مصر مقارنةً بالسودان، فإننا نجد أن القسم الأكبر من نهر النيل وروافده تجري في الأراضي السودانية. كما أن الحوض النوبي الجوفي الذي يعد أكبر مستودع في العالم للمياه الجوفية، يقع جزءٌ كبيرٌ جدَّا منه في شمال السودان. وبما أن مصر ليس لها مصدر حياة غير النيل، فإن اهتمامها بأمر النيل وسياسات توزيع المياه بين دول حوض النيل ظل على الدوام في صدر أولوياتها.

لقد كانت مصر القديمة مكتفيةً غذائيًا، بسبب التناسب بين ما تنتجه وعدد سكانها، آنذاك. وقد كانت مصر من أغنى بقاع الأرض ما جعل مختلف الشعوب تتطلع للعيش فيها. فثراؤها مقارنةً بغيرها في التاريخ القديم، هو ما جعلها، مقصدًا مفضَّلاً للغزاة. لكن، مع التزايد الهائل في أعداد السكان واختلال التناسب بين تلك الأعداد المتزايدة فيما يشبه الانفجار، وبين وجود أراضي يمكن استصلاحها والتمدد فيها لزيادة الإنتاج الزراعي والحيواني، اتسعت الهوة بين إنتاج مصر الزراعي والحيواني والزيادة المتفاقمة في أعداد السكان. وبما أن أراضي مصر الصالحة للعيش على ضفتي النيل تحدها من جهة الغرب الصحراء، ومن جهة الشرق الصحراء، ومن الشمال البحر الأبيض المتوسط، فإن المتنفَّس الوحيد المتبقي لزيادة الإنتاج الزراعي والحيواني، هو الأراضي السودانية.

نمط التفكير الخديوي

لقد كان من الممكن لمصر، بعد نهاية الحكم الخديوي، وقيام الجمهورية أن تتخلي عن النهج الخديوي الاستعماري الاستحواذي وتتجه إلى الشراكات التي تعود بالمنفعة للقطرين الجارين، لكنها لم تفعل. ولا يبدو، حتى الآن، أن لديها أي استعداد لكي تفعل. هناك شيء ما في البناء النفسي وفي تكوين الشخصية لدى النخب القابضة على أعنة الحكم في مصر يجعلها لا تؤمن بالتشارك والتعاون، خاصةً فيما يتعلق بالعلاقة مع السودان، بقدر ما تؤمن بأسلوب التحكم الكامل، أو شبه الكامل، والهيمنة والاستحواذ. وهذه هو ذات البناء النفسي والأخلاقي الذي سوَّغ للشعوب الأوروبية نهب ثروات الشعوب الفقيرة، بعد أن سبقت أوروبا هذه الشعوب بامتلاكها للسلاح الناري.

لابد هنا من لفت النظر إلى حقيقةٍ ربما تفوت ملاحظتهاعلى كثيرين، وهي أن مصر قد سبقت باستعمارها السودان في عام 1821، الهجمة الاستعمارية الأوروبية على أفريقيا التي عُرفت باسم Scramble for Africa . فالهجمة الأوروبية على إفريقيا بدأت في عام 1876. وبهذا تكون مصر قد سبقت باستعمارها السودان تلك الهجمة الأوروبية على إفريقيا، بأكثر من خمسين عامًا. ومثلما خلَّف الاستعمار عند خروجه نخبًا وطنيةً في البلدان المستعمَرة لكي تخدم مصالحه عقب مغادرته، أيضًا خلفت مصر نخبًا سودانيةً لخدمة مصالحها في السودان. فمصر مارست في السودان نفس الأسلوب المسمى: “الاستعمار الجديد”،Neocolonialism . وهو الاستعمار عن بعد عبر احتلال عقول نخب البلد المستعمَر وربط المصالح الشخصية لنخبه السياسية والاقتصادية بمراكز السلطة والثروة في البلد المستعمِر. وهذا هو ما حدث من مصر تجاه السودان، بل وفاق في تأثيره الاستعمار الجديد الأوروبي بسبب الاستعمار الثقافي المصري لعقول النخب المسيطرة في السودان. وهو أمرٌ سهَّل عليه المهمة انتشار اللغة العربية والثقافة الإسلامية. وهو ما لم يتوفر، بهذه الصورة، للاستعمار البريطاني، بسبب اختلاف الدين واللغة والثقافة.

الاستعمار لجلب الذهب والرقيق

حين غزا محمد علي باشا السودان في عام 1821، كان غرضه الأساسي منحصرًا في استجلاب المال والرجال. وكان المال المعني هو الذهب، الذي قيل، آنذاك، أن خامه متوفرٌ في منطقة بني شنقول السودانية، التي أصبحت، مؤخرًا، تابعةً لإثيوبيا. أما الرجال، فكانوا المسترقِّين الذي يجري قنصهم من المناطق التي يقطنها ذوو الأصول الزنجية ويجري إرسالهم قسرًا إلى مصر، بغرض تجنيدهم في الجيش الخديوي الذي كان يحارب آنذاك الحركة الوهابية في الجزيرة العربية. وإلى جانب ما تقدم، فإن الجنود السودانيين سوف يحلون مكان الجنود الأرناؤوط غير المطيعين. وقد كان محمد علي باشا بحاجة إلى جنود مطيعين سهلي القياد من أجل استخدامهم في تحقيق حلمه في إنشاء امبراطورية تشمل كل وادي النيل، إضافة للحجاز. وقد كان اهتمام مصر الحديثة بمياه النيل كبيرًا منذ الحقبة الخديوية. ولذلك سيَّر الخديوي إسماعيل في عام 1875 حملاتٍ لاحتلال إثيوبيا مُني فيها بالهزيمة في معارك جوندت وجورا وعدوة. وكانت خطة الخديوي إسماعيل التمدد من السودان نحو يوغندا ودارفور ونحو إريتريا وإثيوبيا وجيبوتي والصومال، ليضع كامل وادي النيل تحت السيطرة الخديوية المصرية. غير أن حلم الخديوي إسماعيل لم يتحقق بسبب هزائمه في إثيوبيا في عامي 1875 و1876. وبعد عشرة أعوامٍ من هزيمة جيوش الخديوية في إثيوبيا، أنهت الثورة المهدية الحكم الخديوي في السودان. لكن، عاد الحكم الخديوي للسودان مرة أخرى، مع البريطانيين في عام 1898، بعد هزيمتهما لقوات المهدويين في معركة كرري. وأسست كل من بريطانيا ومصر في السودان ما سُمي الحكم الثنائي الإنجليزي المصري. وفي عام 1924، أجبر البريطانيون الجيوش المصرية على الانسحاب من السودان كما ذكرنا. وأصبح حكم مصر للسودان عقب ذلك، حكمًا اسميًا، إذ سيطر البريطانيون على مقاليد الحكم في السودان، بمفردهم، حتى خروجهم في عام 1956.

ورثت “الجمهورية” المصرية العقلية الخديوية

لقد كان نهج الخديوية في التعاطي مع السودان هو نهج الاستعمار المباشر القاصد إلى استرقاق الرجال ونهب الموارد بقوة السلاح. وهذا أمرٌ مفهومٌ في ذلك السياق الذي سبق الهجمات الاستعمارية. لكن، من غير المفهوم أبدًا، أن ترث مصر التي أصبحت “جمهورية”، النظرة الخديوية تجاه السودان والنهج الخديوي في التعاطي مع موارد السودان وحقه في اختيار الديمقراطية نهجًا للحكم. فقد بقى نهج التعاطي القائم على الهيمنة بغرض الإلحاق للسودان بمصر هو نفسه. ولم يختلف أبدَا؛ لا في عهد جمال عبد الناصر، ولا في عهد أنور السادات، ولا في عهد حسني مبارك، ولا في عهد عبد الفتاح السيسي الحالي. بل، إن نهج التعاطي الحالي مع السودان، في عهد عبد الفتاح السيسي قد بلغ درجةً من السوء، من حيث التدخلات السافرة، لم يبلغها أي نظامٍ سابقٍ له، منذ أن قوَّض انقلاب الضباط الأحرار بقيادة محمد نجيب الحكم الملكي في مصر في يوليو من عام 1952.

نهج الأنظمة العسكرية الشمولية المصرية الذي بقي ثابتًا منذ خمسينيات القرن الماضي هو التحكم في مجريات السياسة في السودان، ودس الأنف في كل صغيرةٍ وكبيرةٍ من شؤونه. ولأن السودان المستقل قد وُلد بنظامٍ ديمقراطيًّ، فقد كانت خطة النظام المصري في بدايات عهد جمال عبد الناصر متجهةً إلى تقوية السياسيين الاتحاديين في السودان، لكونهم قد كانوا الداعين إلى الوحدة مع مصر قُبيْل خروج البريطانيين من السودان. فهؤلاء هم الأقرب إلى اختيار الوحدة الطوعية مع مصر، أو على الأقل هم الأقرب للقيام بما تريد مصر تنفيذه من الحكومات السودانية لخدمة مصالحها بالغة الحيوية في السودان. من أجل ذلك، قامت مصر بضخ أموالٍ طائلةٍ للتأثير على نتائج الانتخابات السودانية الأولى التي جرت في عام 1953 تمهيدًا لتولي السودانيين حكم أنفسهم عقب خروج البريطانيين. ضخت مصر الأموال داخل السودان للاتحاديين لتمكنهم من السيطرة على البرلمان، ويصبح، من ثم، قرار الوحدة مع مصر في يدهم، أو على الأقل، خدمة أجندة مصر في السودان في يدهم. لكن، فشلت تلك الخطة، واختار السودانيون، بمن فيهم الاتحاديون أنفسهم خيار الاستقلال التام عن كلٍّ من بريطانيا ومصر. فقد توافق السودانيون حول قيام جمهورية سودانية مستقلة من داخل ذلك البرلمان الأول. بسبب ذلك، غيَّرت الأنظمة المصرية أسلوبها واتخذت أسلوبًا آخر وهو قتل الديمقراطية في السودان، بتشجيع الانقلابات العسكرية ليصبح على رأس السلطة في السودان جنرال موالٍ لها ينفذ إرادتها رغمًا عن الإرادة الشعبية السودانية. ولذلك، بقيت مصر الرسمية، على الدوام، داعمةً للانقلابات العسكرية في السودان. وبقيت متحكمة في السياسة داخل السودان بقدر كبير جدًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!