سودان الكيماوي والإفلات: دولة تنتهك المحظور وتُدير حربها خارج القانون بلا حساب
تقرير ترجمة وتحرير صحيفة التنوير

تقرير ترجمة وتحرير صحيفة التنوير
حين تُرفع الحصانة عن الجريمة، تصبح الجريمة نظامًا
تقرير تحليلي للكاتب الكيني المتخصص في الشؤون الأفريقية بول مويريغي، يسلط الضوء على واحدة من أخطر القضايا المرتبطة بالحرب في السودان، حيث تتصاعد اتهامات باستخدام الأسلحة الكيميائية في سياق الصراع، في ظل ما يصفه التقرير ببيئة دولية تسمح بتكرار الانتهاكات دون ردع كافٍ.
في واحدة من أكثر القضايا خطورة وإثارة للقلق في المشهد السوداني الراهن، تتصاعد اتهامات باستخدام الأسلحة الكيميائية في سياق الحرب الدائرة، لتكشف إن ثبتت عن تحوّل نوعي في طبيعة الصراع، وانتقاله من ساحة المواجهة التقليدية إلى مستويات أكثر تعقيدًا وخطورة. هذه الاتهامات، التي تناولها تقرير تحليلي حديث، لا تقف عند حدود الانتهاك العسكري، بل تمتد لتطرح أسئلة عميقة حول بنية الدولة، وثقافة الإفلات من العقاب، وحدود المسؤولية الدولية.
من ساحة القتال إلى مناطق الظل
تشير المعطيات التي استعرضها التقرير إلى أن النزاع في السودان لم يعد مجرد حرب بين أطراف مسلحة، بل أصبح ساحة لاختبار أدوات قتال محظورة دوليًا، من بينها الأسلحة الكيميائية. ويُتهم الجيش السوداني، بقيادة عبد الفتاح البرهان، باستخدام هذه الوسائل في مواجهة خصومه، وسط غياب ردع دولي حاسم.
ورغم حساسية هذه الاتهامات، فإن ما يزيد من خطورتها هو ما يوصف بـ”اللامبالاة الدولية”، إذ لم تُقابل حتى الآن بإجراءات قوية ترقى إلى مستوى الحدث، وهو ما يفتح الباب أمام تكرارها، ويعزز فكرة أن بعض النزاعات يمكن أن تُدار خارج إطار القانون الدولي.
تاريخ يتكرر… ولكن بوجوه جديدة
لا يمكن قراءة هذه الاتهامات بمعزل عن السياق التاريخي. فالسودان، كما يشير التقرير، يحمل إرثًا مثقلًا بانتهاكات جسيمة تعود إلى عهد عمر البشير، الذي وُجهت إليه اتهامات باستخدام أسلحة كيميائية في مناطق النزاع، خاصة في دارفور.
هذا الإرث، الذي لم يُقابل بمحاسبة حقيقية، أسّس بحسب التحليل لثقافة سياسية ترى في الإفلات من العقاب قاعدة، لا استثناء. ومع غياب الردع، تحولت هذه الممارسات من وقائع معزولة إلى نمط قابل للتكرار.
من الاستعمار إلى الدولة الحديثة: مسار السلاح المحرّم
يضع التقرير الحالة السودانية ضمن سياق أوسع، يبدأ باستخدام القوى الاستعمارية للأسلحة الكيميائية في أفريقيا. من حرب الريف في عشرينيات القرن الماضي، إلى غاز الخردل في إثيوبيا، وصولًا إلى تجارب لاحقة في ليبيا وجنوب أفريقيا، ظل هذا السلاح حاضرًا كأداة للهيمنة حين تفشل الوسائل التقليدية.
غير أن ما يميز الحالة السودانية وفق هذا الطرح هو انتقال هذا السلاح من أداة استعمارية إلى أداة حكم داخلي، تُستخدم ضد المواطنين أنفسهم، في سابقة تعكس عمق الأزمة البنيوية في الدولة.
2016: لحظة التحول إلى سياسة ممنهجة
يتوقف التقرير عند أحداث عام 2016 في جبل مرة، حيث يُقال إن النظام آنذاك نفذ عشرات الهجمات الكيميائية خلال فترة قصيرة. هذه الهجمات، التي استهدفت مناطق مدنية، لم تكن وفق التحليل مجرد تجاوزات ميدانية، بل جزءًا من سياسة ممنهجة.
الأثر الأهم لتلك المرحلة لم يكن فقط في عدد الضحايا، بل في غياب أي مساءلة حقيقية، وهو ما أسهم في ترسيخ هذا النمط، وفتح الباب أمام تكراره في مراحل لاحقة.
الحرب الحالية: عودة الأسلوب القديم
مع اندلاع الحرب في 2023، يرى التقرير أن هذه الأساليب عادت إلى الواجهة. وتشير معطياته إلى استخدام غاز الكلور في هجمات ميدانية، بما في ذلك عبر وسائل بدائية مثل البراميل المتفجرة، وهو ما يعكس إن صح تحولًا خطيرًا في قواعد الاشتباك.
كما يلفت التقرير إلى أن بعض المواد المستخدمة في هذه الهجمات كانت مخصصة لأغراض مدنية، مثل معالجة المياه، قبل أن يتم تحويلها إلى أدوات قتالية، ما يثير تساؤلات حول وجود بنية تنظيمية تدعم هذا التحويل.
شبكات الإمداد… والبنية الخفية
يتناول التقرير أيضًا جانبًا تقنيًا مهمًا، يتمثل في شبكات الإمداد التي تتيح الحصول على مواد كيميائية قابلة للاستخدام العسكري. ويشير إلى دور شركات مرتبطة بالمؤسسة العسكرية في استيراد هذه المواد، ما يعزز فرضية وجود منظومة لوجستية متكاملة.
هذه النقطة، إن ثبتت، تعني أن المسألة لا تتعلق بقرارات ميدانية معزولة، بل ببنية مؤسسية قادرة على التخطيط والتنفيذ، وهو ما يرفع من مستوى المسؤولية القانونية والسياسية.
الأيديولوجيا كعامل مضاعف للخطر
يربط التقرير بين هذه الممارسات وبين تأثيرات أيديولوجية داخل المؤسسة العسكرية، مشيرًا إلى تغلغل شبكات ذات توجهات إسلامية متشددة عبر عقود. وقد عززت هذه القراءة قرارات دولية، من بينها تصنيف جماعات مرتبطة بالإخوان المسلمين في السودان ضمن قوائم الإرهاب.
ورغم أن هذا الربط يظل محل نقاش، إلا أنه يطرح تساؤلًا مهمًا حول دور الأيديولوجيا في تشكيل سلوك المؤسسات، خاصة في سياقات الصراع.
ردود دولية محدودة… ومأزق التفاوض
رغم فرض عقوبات أمريكية وإدانات دولية، يرى التقرير أن هذه الإجراءات لم تصل إلى مستوى الردع المطلوب. بل إن استمرار الحديث عن حلول تفاوضية، في ظل هذه الاتهامات، يطرح إشكالية أخلاقية: كيف يمكن التفاوض مع طرف متهم باستخدام أسلحة محظورة؟
ويذهب التحليل إلى أن استمرار هذا النهج قد يكرّس حلقة مفرغة من العنف، حيث تُستخدم المفاوضات كغطاء لاستمرار الانتهاكات، لا كوسيلة لإنهائها.
السودان أمام اختبار دولي
تكشف هذه المعطيات عن لحظة مفصلية، ليس فقط للسودان، بل للنظام الدولي بأسره. فإذا ثبتت هذه الاتهامات، ولم تُقابل بإجراءات حاسمة، فإن ذلك سيشكل سابقة خطيرة، تقوض منظومة حظر الأسلحة الكيميائية، وتفتح الباب أمام استخدامها في نزاعات أخرى.
خلاصة المشهد
ما يطرحه التقرير ليس مجرد سرد لانتهاكات محتملة، بل تشخيص لأزمة أعمق، تتعلق بطبيعة الدولة، وحدود القانون، ودور المجتمع الدولي. وبينما تبقى الحاجة ملحة إلى تحقيقات مستقلة وشفافة، فإن المؤكد أن استمرار غياب المحاسبة يمثل الخطر الأكبر.
ففي نهاية المطاف، لا يتعلق الأمر فقط بما إذا كانت هذه الأسلحة قد استُخدمت، بل بما إذا كان العالم مستعدًا لمنع استخدامها… أو سيكتفي بمشاهدتها تتكرر.




