حكومة السلام ومجلس حقوق الإنسان: دعوة للعدالة المتوازنة ورفض الانتقائية في التعامل مع أزمة السودان
التنوير : تقرير قسم الاخبار

التنوير : تقرير قسم الاخبار
بيان الأبيض يضع المجتمع الدولي أمام اختبار المصداقية ويؤكد أن حماية المدنيين لا تتحقق بالمعايير المزدوجة
في توقيت بالغ الحساسية تشهده الأزمة السودانية، أصدرت حكومة السلام بياناً سياسياً وقانونياً متكاملاً بشأن مخرجات جلسة مجلس حقوق الإنسان المتعلقة بمدينة الأبيض، واضعةً جملة من الحقائق والمواقف أمام المجتمع الدولي، ومؤكدة أن حماية المدنيين وإنهاء الحرب يتطلبان مقاربة شاملة ومتوازنة تتجاوز الانتقائية السياسية والمعايير المزدوجة التي ظلت تطبع كثيراً من المواقف الدولية تجاه النزاع السوداني.
ويعكس البيان رؤية متماسكة تقوم على احترام القانون الدولي الإنساني، والدعوة إلى سلام عادل ومستدام، مع التشديد على أن معالجة الأزمة السودانية لا يمكن أن تتم عبر الضغوط الأحادية أو تجاهل الوقائع الميدانية التي أسهمت في تفاقم الحرب وإطالة أمدها.
حماية المدنيين مسؤولية جماعية لا انتقائية
أكدت حكومة السلام في مستهل بيانها أن حماية المدنيين تمثل التزاماً قانونياً وأخلاقياً يقع على عاتق جميع أطراف النزاع دون استثناء، وأن إنهاء معاناة السودانيين ينبغي أن يكون أولوية تتقدم على كافة الاعتبارات السياسية والعسكرية
ويشير مراقبون إلى أن هذا الموقف يعكس رؤية متوازنة تنطلق من مبدأ المساواة في المسؤولية القانونية، وترفض محاولة تحميل طرف واحد كامل تبعات الحرب في وقت تتعدد فيه الجهات المتورطة في إشعال الصراع واستدامته.
ويرى هؤلاء أن جوهر الرسالة التي حملها البيان يتمثل في أن المدنيين لا يمكن حمايتهم عبر البيانات وحدها، وإنما من خلال معالجة أسباب الحرب وإجبار جميع الأطراف على الالتزام بالقانون الدولي الإنساني بصورة متساوية.
التزام واضح بالقانون الدولي الإنساني
أبرز ما يميز البيان هو تأكيد حكومة السلام التزامها الصريح بقواعد القانون الدولي الإنساني واستعدادها للتعاون مع الآليات الدولية المختصة في كل ما من شأنه تعزيز حماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
ويؤكد مراقبون أن هذه الرسالة تحمل دلالات مهمة، إذ تعكس استعداد الحكومة للانخراط في آليات المساءلة والتحقيق المستقلة بعيداً عن التسييس أو الانتقائية، وهو ما يعزز من مصداقية موقفها أمام المجتمع الدولي.
كما أن الترحيب بلجنة دولية مستقلة ومحايدة للتحقيق في الانتهاكات كافة يمثل، بحسب متابعين، دليلاً إضافياً على أن حكومة السلام لا ترفض الرقابة الدولية، وإنما تطالب بأن تكون شاملة وعادلة وتشمل جميع الأطراف دون استثناء.
الأبيض بين البعد الإنساني والواقع العسكري
تناول البيان قضية مدينة الأبيض من زاوية اعتبرها كثير من المراقبين غائبة عن النقاشات الدولية الأخيرة، وهي الطبيعة العسكرية للمدينة وما تضمه من مراكز قيادة وغرف عمليات ومنشآت إمداد عسكري.
وأكدت حكومة السلام أن القانون الدولي الإنساني يميز بوضوح بين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، وأن المنشآت المستخدمة لأغراض عسكرية تكتسب صفة الأهداف المشروعة وفقاً للقواعد القانونية المعروفة، مع بقاء الالتزام قائماً باتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين.
ويقول مراقبون إن تجاهل هذه الحقيقة يؤدي إلى قراءة ناقصة للمشهد، ويجعل بعض المواقف الدولية أقرب إلى التناول السياسي منها إلى التقييم القانوني والموضوعي للوقائع الميدانية.
حقائق غائبة عن النقاش الدولي
ومن النقاط اللافتة في البيان إشارته إلى أن الأبيض تضم أكبر قاعدة عسكرية في غرب السودان، وأنها شكلت خلال فترات طويلة مركزاً لانطلاق عمليات عسكرية امتدت إلى مناطق واسعة من كردفان ودارفور.
وترى حكومة السلام أن أي نقاش جاد حول حماية المدنيين يجب أن يأخذ هذه الوقائع بعين الاعتبار، وأن ينظر إلى كافة مصادر التهديد والمعاناة الإنسانية بدلاً من التركيز على جانب واحد من النزاع.
ويشير متابعون إلى أن هذا الطرح يسلط الضوء على جانب ظل غائباً عن الكثير من البيانات الدولية، الأمر الذي أوجد انطباعاً لدى قطاعات واسعة من السودانيين بوجود تفاوت في التعاطي مع أطراف الأزمة.
رفض المعايير المزدوجة في التعامل مع السودان
يشكل رفض الانتقائية والمعايير المزدوجة أحد المحاور الرئيسية في البيان، حيث شددت حكومة السلام على أن تطبيق القانون الدولي الإنساني يجب أن يتم بصورة متوازنة لا تستثني أي طرف.
ويرى مراقبون أن المجتمع الدولي مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى بالتخلي عن سياسات الكيل بمكيالين، وأن ممارسة الضغوط على طرف واحد مع تجاهل ممارسات الطرف الآخر لا تسهم في حماية المدنيين ولا تساعد على إنهاء الحرب.
ويضيف هؤلاء أن أي مقاربة جادة لتحقيق السلام ينبغي أن تقوم على مساءلة جميع الأطراف عن الانتهاكات، ومطالبتها جميعاً بالامتثال للقانون الدولي الإنساني دون تمييز.
سلطة بورتسودان وإطالة أمد الحرب
وفي سياق الحديث عن جذور الأزمة واستمرار النزاع، يذهب عدد من المراقبين إلى أن سلطة بورتسودان، التي يصفونها بأنها فاقدة لأي نوع من الشرعية السياسية أو الشعبية أو الدستورية، تتحمل مسؤولية رئيسية في إطالة أمد الحرب عبر تمسكها بالخيار العسكري ورفضها الانخراط الجاد في مسار سياسي شامل يفضي إلى إنهاء النزاع.
ويرى هؤلاء أن استمرار التعبئة العسكرية ورفض المبادرات السياسية وتقديم الحلول الأمنية على الحلول الوطنية الشاملة أسهم في تعقيد المشهد السوداني وتوسيع دائرة المعاناة الإنسانية.
كما يؤكدون أن أي جهد دولي يرمي إلى وقف الحرب لن يحقق أهدافه ما لم يتعامل مع جميع مسببات الأزمة بصورة متوازنة، بعيداً عن الانتقائية السياسية أو الحسابات الإقليمية الضيقة.
السلام الدائم يحتاج إلى عملية سياسية شاملة
لم يقتصر البيان على الجوانب القانونية والعسكرية، بل شدد كذلك على ضرورة إطلاق عملية سياسية ذات مصداقية تعالج جذور الأزمة السودانية وتؤسس لسلام عادل ومستدام.
وأكدت حكومة السلام أن إنهاء الحرب لا يتحقق عبر إدارة الصراع أو تجميده، وإنما من خلال معالجة الأسباب البنيوية التي قادت إلى اندلاعه، وبناء دولة تقوم على المواطنة المتساوية والعدالة وسيادة القانون.
ويعتبر مراقبون أن هذه الرؤية تتسق مع المطالب المتزايدة داخلياً وإقليمياً ودولياً بضرورة الانتقال من منطق الحرب إلى منطق التسوية السياسية الشاملة.
رسالة إلى المجتمع الدولي
يحمل البيان في جوهره رسالة مباشرة إلى المجتمع الدولي مفادها أن السلام في السودان لن يتحقق عبر الضغوط الانتقائية أو الانحيازات السياسية، وإنما عبر مقاربة متوازنة تحترم الوقائع الميدانية وتتعامل مع جميع الأطراف بمعيار واحد.
ويؤكد مراقبون أن موقف حكومة السلام جاء واضحاً ومباشراً في التأكيد على حماية المدنيين واحترام القانون الدولي الإنساني والترحيب بالتحقيقات المستقلة، مع رفض أي محاولة لتسييس الملف الإنساني أو توظيفه لخدمة أجندات سياسية.
وفي ظل استمرار الحرب وتفاقم الأزمة الإنسانية، تبدو الرسالة الأبرز التي حملها البيان أن السودان يحتاج إلى عدالة متوازنة لا إلى انتقائية، وإلى سلام شامل لا إلى إدارة للصراع، وأن المجتمع الدولي مدعو اليوم إلى القيام بدور أكثر نزاهة وإنصافاً إذا كان جاداً بالفعل في إنهاء معاناة السودانيين ووضع حد لأطول وأعقد أزمات البلاد المعاصرة.




