
محمد حسين أحمد
لم تكن ليلة الجمعة السابع والعشرين من مارس 2026 في مدينة زالنجي مجرد لحظة عابرة في سياق حرب مستمرة، بل كانت شاهدًا جديدًا على عمق المأساة التي يعيشها المدنيون في السودان، وعلى التحول الخطير في طبيعة الصراع من مواجهة عسكرية إلى واقع تتقاطع فيه العمليات القتالية مع معاناة السكان الأبرياء. ففي تلك الليلة، تعرضت مناطق مدنية، بينها معسكر للنازحين ومرفق صحي مخصص لتحصين الأطفال، لقصف خلّف آثارًا إنسانية تتجاوز حدود الحدث نفسه، لتفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول حدود الحرب وأخلاقياتها ومسؤوليات الأطراف المختلفة.
إن استهداف أو تضرر مراكز الرعاية الصحية، خاصة تلك المعنية بتطعيم الأطفال، لا يمكن النظر إليه بمعزل عن نتائجه بعيدة المدى. فهذه المرافق تمثل خط الدفاع الأول ضد الأمراض الوبائية، وتعطيلها يعني تعريض آلاف الأطفال لمخاطر صحية جسيمة قد تمتد آثارها لسنوات. تدمير سلاسل التبريد الخاصة باللقاحات، أو إتلاف الإمدادات الطبية، لا يؤدي فقط إلى خسارة آنية، بل يفتح الباب أمام عودة أمراض كان يمكن الوقاية منها بسهولة، وهو ما يضاعف من هشاشة المجتمعات المتأثرة بالنزاع.
ولا تقف هذه الوقائع عند حدود زالنجي وحدها، إذ تشير تقارير متعددة إلى تضرر مرافق مدنية أخرى في مناطق مثل الضعين والمجلد، ما يعكس نمطًا مقلقًا من تأثير العمليات العسكرية على البنية التحتية المدنية. هذا التكرار يفرض ضرورة التوقف عند طبيعة هذه الأحداث، ليس فقط من زاوية النتائج، بل أيضًا من زاوية السياق الذي تنتج فيه، حيث تتداخل العمليات العسكرية مع بيئات مدنية مكتظة، ما يزيد من احتمالات وقوع أضرار جسيمة.
إن جذور هذه الأزمة لا تعود إلى اللحظة الراهنة وحدها، بل تمتد إلى تاريخ طويل من الصراعات الداخلية التي شهدها السودان منذ عقود. فقد أدت هذه الصراعات، بتعقيداتها السياسية والاجتماعية، إلى إضعاف مؤسسات الدولة، وإلى تراجع قدرة المنظومة الصحية والتعليمية على الصمود في وجه الأزمات. وفي ظل هذا الواقع، يصبح المدنيون – وعلى رأسهم الأطفال الحلقة الأضعف، يتحملون تبعات قرارات لا يملكون التأثير فيها.
من الناحية القانونية، يضع القانون الدولي الإنساني قواعد واضحة لحماية المدنيين والمرافق المدنية، ويشدد على ضرورة تجنب استهداف المنشآت الصحية تحت أي ظرف. غير أن الفجوة بين هذه القواعد وما يحدث على الأرض تظل واسعة، وهو ما يبرز الحاجة إلى آليات أكثر فعالية لضمان الالتزام بهذه القوانين، وإلى تحقيقات مستقلة وشفافة في كل حادثة يُشتبه في أنها تشكل انتهاكًا.
وفي هذا السياق، تبرز مسؤولية المجتمع الدولي بوصفها عنصرًا حاسمًا لا يمكن تجاهله. فالإدانة وحدها لا تكفي، بل يجب أن تُترجم إلى إجراءات عملية تدعم حماية المدنيين، وتضمن وصول المساعدات الإنسانية، وتؤسس لمساءلة حقيقية في حال ثبوت الانتهاكات. كما أن دعم القطاعات الحيوية، مثل الصحة والتعليم، يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من أي جهد دولي يهدف إلى تخفيف آثار النزاع.
إن استمرار هذا الواقع لا يهدد الحاضر فحسب، بل يضع مستقبل السودان بأكمله على المحك. فالأطفال الذين يُحرمون اليوم من الرعاية الصحية أو التعليم، هم جيل الغد، وأي إخلال بحقوقهم الأساسية سينعكس بالضرورة على استقرار المجتمع ككل. ومن هنا، فإن حماية الطفولة لا ينبغي أن تُفهم كقضية إنسانية فحسب، بل كاستثمار في مستقبل البلاد.
في نهاية المطاف، لا يمكن لأي مجتمع أن ينهض في ظل استمرار استهداف المدنيين أو تعريضهم للمخاطر. إن إعادة الاعتبار لقيمة الإنسان، ووضع حد لمعاناة السكان، خاصة الأطفال، يمثلان شرطًا أساسيًا لأي مسار نحو السلام والاستقرار. فالحروب، مهما طال أمدها، لا يمكن أن تكون مبررًا لانتهاك القيم الإنسانية الأساسية، ولا لتجاهل حقوق من لا صوت لهم في خضم الصراع.




