رأي

زيورخ بلا أثر: مناوي بين خطاب السلام وواقع التلميع السياسي

عبد الرحمن ابو رندة بنسلقانيا 

 

عبد الرحمن ابو رندة بنسلقانيا 

لا يُقاس صدق الدعوات بما يُقال في المنابر، بل بما يُفعل في الميدان

في لحظة سياسية معقدة يمر بها السودان، جاءت الندوة التي انعقدت في مدينة زيورخ على هامش زيارة رئيس حركة/جيش تحرير السودان مني أركو مناوي لتثير جملة من التساؤلات الجوهرية حول طبيعة هذه التحركات وأهدافها الحقيقية، وما إذا كانت تمثل مسارًا جادًا نحو السلام، أم أنها تندرج ضمن محاولات إعادة تقديم سلطة بورتسودان في صورة أكثر قبولًا أمام المجتمع الدولي.

فالخطاب الذي طُرح خلال الندوة، رغم ما حمله من شعارات عن السلام ووحدة السودان، بدا في كثير من جوانبه منفصلًا عن واقع الحرب الدائرة، والتي لم تعد مجرد نزاع عسكري تقليدي، بل تحولت إلى أزمة متعددة الأبعاد، تتداخل فيها المصالح السياسية والاقتصادية، وتتشابك فيها مسؤوليات الأطراف المنخرطة في الصراع.

ومن هذا المنطلق، فإن محاولة تقديم الزيارة باعتبارها خطوة في اتجاه دعم السلام، تتطلب قراءة أعمق لموقع الأطراف المشاركة فيها، خاصة وأن بعض هذه القوى لم تعد تقف على مسافة واحدة من الصراع، بل أصبحت جزءًا من معادلاته العسكرية والسياسية. وهو ما يضعف من قدرتها على لعب دور الوسيط أو حامل مشروع وطني جامع، ويجعل خطابها أقرب إلى تبرير الواقع القائم منه إلى تغييره.

إن حركة/جيش تحرير السودان، التي كانت في بداياتها تعبيرًا عن مطالب الهامش والعدالة، تبدو اليوم أمام اختبار حقيقي يتعلق بمدى اتساق مواقفها مع تلك الشعارات. فاختيارها الاصطفاف ضمن تحالفات عسكرية قائمة، أخرجها عمليًا من موقع الفاعل السياسي المستقل، إلى موقع الشريك في توازنات القوة، وهو تحول له تبعاته على مستوى الرؤية والمصداقية.

وفي هذا السياق، فإن أي حديث عن السلام يفقد كثيرًا من وزنه حين لا يترافق مع مراجعة صريحة للدور الذي لعبته هذه القوى في تعقيد المشهد، أو في إطالة أمد الصراع. فالسلام لا يمكن أن يكون مجرد شعار يُرفع في المنابر الدولية، بل هو مسار يتطلب مواقف واضحة تعترف بالاختلالات وتسعى لمعالجتها.

كما أن الخطاب الذي طُرح في زيورخ، والذي تضمّن انتقادات لدور بعض الدول الإقليمية، لم يُقابله نقد موازٍ للسياسات الداخلية التي أسهمت في تفجير الأزمة، وهو ما يعكس انتقائية في الطرح، تضعف من قوة الرسالة السياسية، وتُبقي النقاش في دائرة الاتهام الخارجي دون مساءلة داخلية.

ومن زاوية أخرى، فإن الإشارة إلى ضرورة الحفاظ على “السودان الواحد” تظل عبارة ذات طابع إنشائي، ما لم تُدعّم برؤية عملية تعالج القضايا البنيوية التي أدت إلى تفكك الدولة، وعلى رأسها تعدد الجيوش، وغياب المشروع الوطني الجامع، واستمرار الاقتصاد المرتبط بالحرب، وهي قضايا لا يمكن تجاوزها بخطابات عامة أو مواقف ظرفية.

الأهم من ذلك، أن توقيت هذه الزيارة يأتي في ظل تحولات إقليمية ودولية متسارعة، حيث بدأت بعض الأطراف في إعادة تقييم مواقفها تجاه الأزمة السودانية، وهو ما يجعل أي تحرك خارجي عرضة للتفسير باعتباره محاولة لإعادة التموضع السياسي، أكثر من كونه مبادرة مستقلة لصناعة السلام.

وفي هذا الإطار، فإن التعويل على المنابر الخارجية لتعديل الصورة الذهنية، دون إحداث تغيير ملموس في الداخل، يظل محدود الجدوى، خاصة في ظل استمرار المعاناة الإنسانية، وتفاقم الأوضاع الاقتصادية، وتراجع مؤشرات الاستقرار في مناطق واسعة من البلاد.

كما أن الرأي العام السوداني، الذي أصبح أكثر وعيًا بتعقيدات المشهد، لم يعد يتفاعل مع الخطابات التقليدية بنفس الطريقة، بل بات يبحث عن مواقف واضحة ومسارات عملية يمكن أن تقود إلى إنهاء الحرب، وليس مجرد إدارتها.

وعليه، فإن ما جرى في زيورخ، رغم ما حمله من حضور سياسي وإعلامي، لا يبدو أنه قدّم إضافة نوعية لمسار الأزمة، بقدر ما أعاد إنتاج الخطاب ذاته الذي ظل يراوح مكانه، دون أن ينجح في إحداث اختراق حقيقي.

إن التحدي الأكبر اليوم لا يتمثل في القدرة على تنظيم الندوات أو حشد الحضور الدولي، بل في الجرأة على مراجعة المسارات، واتخاذ قرارات صعبة تعيد توجيه البوصلة نحو حل سياسي شامل، يضع حدًا للحرب، ويؤسس لمرحلة جديدة تقوم على الشراكة الوطنية الحقيقية، والعدالة، والمساءلة.

وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال معلقًا: هل تمثل مثل هذه التحركات بداية تحول جاد في التفكير السياسي، أم أنها مجرد امتداد لنهج قائم على إدارة الأزمة وإعادة تدويرها في مساحات جديدة؟

الإجابة على هذا السؤال لن تأتي من المنابر، بل من الميدان، ومن قدرة الفاعلين على ترجمة الخطاب إلى واقع يلمسه المواطن السوداني الذي أنهكته الحرب، وأصبح أكثر حاجة من أي وقت مضى إلى سلام حقيقي، لا يُقال فقط، بل يُصنع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!