تقارير وتحقيقات

حين تحترق القرى بصواريخ السماء: غرير شاهدة على جريمة مكتملة الأركان

تقرير ابو عبدالله الراشدي

 

التنوير تقرير أبو عبدالله الراشدي 

في تصعيد بالغ الخطورة يعكس نمطًا متكررًا من استهداف المدنيين، تعرّضت بادية غرير بمحلية كتم في ولاية شمال دارفور، صباح الإثنين 30 مارس 2026، لهجوم جوي مكثف عبر طائرات مسيّرة، أطلقت أكثر من (12–13) صاروخًا على مناطق مأهولة بالسكان، في واقعة وُصفت بأنها من أعنف الهجمات التي شهدتها المنطقة خلال الفترة الأخيرة.

الهجوم، وفق شهادات ميدانية ومصادر محلية متطابقة، استهدف خيام الرحّل (الفرقان) ومنازل المدنيين بشكل مباشر، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى، لم تُحصر أعدادهم حتى الآن، وسط صعوبة الوصول إلى المواقع المتضررة واستمرار القصف في فترات متقطعة من اليوم ذاته.

غرير تحت النار: مشهد الدمار والهلع

أفاد شهود عيان بأن الصواريخ سقطت في مناطق متفرقة من بادية غرير، وامتد أثرها إلى ضواحي مدينة كتم والقرى المجاورة، بما في ذلك مناطق قريبة من قرية “نادي” ودار بيري، ما تسبب في اندلاع حرائق واسعة التهمت منازل وممتلكات المواطنين.

كما أدى القصف إلى تدمير المصحّة الطبية الوحيدة في المنطقة، ما فاقم الوضع الإنساني بشكل حاد، وترك المصابين دون رعاية صحية كافية، في ظل انعدام وسائل الإخلاء الطبي وصعوبة التنقل نتيجة استهداف الطرق بين القرى.

حالة من الهلع والرعب سادت بين السكان، خصوصًا في أوساط النساء والأطفال، الذين وجدوا أنفسهم تحت وابل من الصواريخ دون أي ملاذ آمن.

استهداف ممنهج للمدنيين: نمط متكرر لا يمكن إنكاره

تشير المعطيات الميدانية إلى أن الهجوم لم يكن عشوائيًا، بل جاء في سياق نمط متكرر من الضربات الجوية التي تستهدف مناطق مدنية في دارفور وكردفان، باستخدام الطائرات المسيّرة.

وبحسب إفادات متعددة، فإن المناطق المستهدفة في غرير تخلو تمامًا من أي وجود عسكري، ما ينفي أي مبرر عملياتي أو عسكري للقصف، ويعزز فرضية الاستهداف المتعمد للمدنيين.

هذا النمط، الذي يتكرر بوتيرة متصاعدة، يعكس عقيدة قتالية تقوم على معاقبة المجتمعات المحلية واستهدافها على أساس الهوية والانتماء، وهو ما يرقى – وفق توصيفات قانونية – إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بل ويقترب من جرائم الإبادة والتطهير العرقي.

اتهامات مباشرة: جيش الفلول وأجندة جماعة الإخوان

في هذا السياق، تتجه أصابع الاتهام بشكل مباشر إلى الجيش السوداني الذي تصفه أطراف عديدة بأنه “مختطف من قبل جماعة الإخوان المسلمين السودانية”، حيث يُنظر إلى هذه الهجمات باعتبارها جزءًا من استراتيجية عسكرية ذات طابع انتقامي، تستهدف المدنيين بشكل متعمد.

وتؤكد بيانات صادرة عن جهات ميدانية، من بينها قوات الدعم السريع، أن القصف تم بصورة متعمدة على مناطق مدنية آمنة، ما يعكس “نهجًا إجراميًا ممنهجًا” يهدف إلى تدمير البنية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمعات المحلية.

كما تشير هذه الاتهامات إلى أن استهداف مصادر الرزق وإحراق القرى يمثل محاولة لإخضاع السكان عبر التجويع والتشريد، وهو ما يعزز توصيف هذه العمليات بأنها جرائم ذات طابع إبادي.

إدانات متصاعدة وتحذيرات من كارثة إنسانية

الهجوم على غرير يأتي في ظل أوضاع إنسانية متدهورة أصلًا في ولاية شمال دارفور، حيث يعاني السكان من نقص حاد في الغذاء والدواء والخدمات الأساسية، مع استمرار النزوح وتدهور الأمن.

وقد توالت الإدانات من جهات محلية وحقوقية، التي وصفت ما جرى بأنه انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني، داعية إلى ضرورة حماية المدنيين ووقف استهداف الأعيان المدنية.

كما حذرت تقارير ميدانية من أن استمرار هذا النمط من الهجمات قد يؤدي إلى كارثة إنسانية أوسع، خصوصًا مع تدمير المرافق الصحية واستهداف الطرق، ما يعيق عمليات الإغاثة ويزيد من معاناة السكان.

نداء عاجل للمجتمع الدولي ومجلس الأمن

في ظل هذا التصعيد الخطير، تتزايد الدعوات لمخاطبة المجتمع الدولي، والمنظمات الإنسانية والحقوقية، لاتخاذ موقف حاسم يتجاوز بيانات القلق والإدانة التقليدية.

ويبرز مطلب أساسي يتمثل في ضرورة تدخل مجلس الأمن الدولي لتفعيل قراراته المتعلقة بحماية المدنيين في دارفور، وعلى رأسها إعادة فرض حظر جوي فعلي يمنع استخدام الطائرات المسيّرة في استهداف المناطق السكنية.

كما تدعو هذه الأصوات إلى فرض عقوبات صارمة على الجهات المسؤولة عن هذه الهجمات، والعمل على تصنيف الجيش المتورط في هذه العمليات كمنظمة إرهابية، في ظل ما يُنسب إليه من استهداف ممنهج للمدنيين مع سبق الإصرار والترصد.

بين الصمت الدولي وصرخات الضحايا

إن ما جرى في غرير ليس حادثة معزولة، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي طالت المدنيين في دارفور، في ظل صمت دولي يثير تساؤلات عميقة حول جدية الالتزام بحماية الأرواح.

فبينما تتصاعد أصوات الضحايا من تحت الركام، يبقى السؤال الأهم: إلى متى يستمر هذا النزيف دون محاسبة؟

إن استمرار هذه الجرائم دون ردع لا يعني سوى منح مرتكبيها ضوءًا أخضر لمزيد من التصعيد، وهو ما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي بين القيم التي يعلنها، والواقع الذي يتشكل على الأرض.

غرير اليوم ليست مجرد قرية منكوبة، بل شاهد حي على مأساة شعب يُستهدف في وجوده، وينتظر عدالة لم تأتِ بعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!