ما وراء السياسة؛ يقف المُحرك المالي لآلة الإقصاء والضامن لإستمرارية الإمتياز التاريخي
مهدي عبدالله حامد

مهدي عبدالله حامد
لنسمِّ الأشياء بمسمياتها دون تجميل ودون مواربة، فلم تكن السيادة المركزية في السودان مجرد مفهوم دستوري لحماية الحدود، بل كانت استعمار داخلي حقيقي، فلا يمكن قراءة تاريخ السُّودان الحديث بعيدا عن “خطيئة” التمكين الاقتصادي، وبذلك فما نراه اليوم من صراعات ليس مجرد تدافع على كراسي السلطة، بل هو انفجار لبنية تحتية اقتصادية صُممت بدقة لتخدم “نخبة المركز” على حساب بقية السودانيين
وبذلك تحول مفهوم السيادة من حماية الأرض والشعب إلى “درع” يحمي مصالح حفنة من الأيديولوجيين والانتهازيين الذين أحالوا الدولة إلى “إقطاعية خاصة” وكما إن السكوت عن تسمية “نخبة الجلابة الأغنياء” – كتحالف مصلحي وليس ككتلة إثنية – هو مواربة لم تعد تجدي نفعاً أمام واقع الهامش الذي يُسحق يوميا تحت وطأة الفقر المتعمد، بينما تدار مليارات الدولارات في دهاليز شركات ” النخبة مما عمّق الفجوة وصنع واقعًا طبقيًا مريرًا.
فلقد بُنيت إمبراطورية المركز السيادية الاقتصادية المركزية على حساب القطاع العام، فلم تكن المنافسة شريفة في أي يوما من الايام، بل وُزعت الامتيازات، ومُنحت العطاءات، والخطوط الائتمانية كمنح “أسرية” وجهوية، شركات لا تدفع الضرائب، ولا تخضع لمراجعة “ديوان الحسابات” ابتلعت قطاعات الاتصالات، والمقاولات، والبترول، هذا “التجنيد الاقتصادي” لم يكن يهدف للتنمية، بل كان “خزانة حرب” لتمويل البقاء في السلطة وقمع أي صوت يطالب بالعدالة التوزيعية.
فقد تجلت العنصرية المؤسسية في توزيع “الحقوق الاقتصادية” في أقبح صورها فمُنحت الأراضي السكنية والاستثمارية في أرقى المواقع لمحاسيب المركز، وتوزيع الساحات العامة والميادين بطرق المحسوبية الجهوية والعرقية، أما النظام المصرفي، وعلى رأسه”بنك السودان المركزي” الذي تحول إلى “خزنة للعشيرة” تُمنح القروض بضمان “الولاء” لا بضمان “الجدوى” كداعم للتنمية، حيث ذهبت التمويلات الاستراتيجية والقروض الميسرة لذات الفئة، مما خلق فجوة طبقية هائلة جعلت من “المال والسلطة” توأمان لا ينفصلان في المركز و”الفقر والحرمان” قدراً محتوماً على الهامش.
كانت تُمنح رخص استيراد السلع الاستراتيجية (السكر، الأدوية، السيارات، والقمح) لأسماء بعينها وشركات مركزية محدودة، لضمان أن يظل شريان الحياة في يد “الولاء المركزي” باتباع نظام “الوكلاء الحصريين” الذي لم يكن خيارا اقتصاديا بأي حال، ولكنه كان سلاحا سياسيا فمن يملك توريد الدواء يملك رقاب المرضى، ومن يحتكر السكر يتحكم في مائدة الفقراء فهذ هو الامتياز التاريخي ببساطة شديدة يا سادة.
بينما كان التاجر البسيط في أطراف دارفور أو كردفان أو الشرق يرزح تحت وطأة الضرائب والجبايات، وتكاليف الترحيل… الخ، فقد كانت حاويات “المُحظيين” من أصحاب الإمتياز التاريخي تمر عبر الموانئ والمطارات تحت لافتات “المنظمات” أو “شركات السيادة” دون دفع قرش واحد، هذا التمييز الجهوي والقبلي في المعاملة الجمركية دمر الإنتاج المحلي، وحول السودان إلى سوق استهلاكي كبير تسيطر عليه حفنة من الانتهازيين الذين لا يرون في الوطن سوى “منجم ومورد” للاستنزاف.
وفي ظل هكذا أوضاع إن الحديث عن “السيادة” يظل لغوًا ما لم يتم تحرير “الاقتصاد” من قبضة النخبة المحتكرة، وتغيير الواقع الذي فرضته ثنائية (المركز الغني/ الهامش الفقير) بتفكيك بنية “الجلابة الأغنياء” – كمنظومة امتياز تاريخي – وهذا لا يعني استهدافا اجتماعيا، بل هو ضرورة وطنية لتحقيق العدالة والمساواة، فلن يستقر السودان إلا إذا أصبح “بنك السودان” بنكًا لكل السودانيين، وإذا تحولت الجمارك من أداة لتمكين الأقارب إلى مورد قومي، وإذا انتهى عهد “الشركات الأمنية والحزبية” شركات الظل التي تبتلع رئة الوطن.
وعليه فإن التغيير الجذري يبدأ بفك الارتباط بين “السلطة” و”السوق” فلا يمكن الحديث عن تحول ديمقراطي دون “تفكيك البنية الاقتصادية للتمكين” والسيادة الحقيقية هي حين يملك المواطن في أقصى قرية بـ “جبل مرة” أو “الإنقسنا” أو طوكر ودنقلا ذات الحق في الامتيازات التي يملكها ابن المركز، إذ إن كسر احتكار “المحرك الخفي” هو الخطوة الأولى لإنهاء متلازمة “الغني المُترف” و”الفقير المسحوق، من أجل بناء دولة المواطنة التي لا تميز بين الناس بلهجاتهم أو قبائلهم، بل بإنتاجهم وانتمائهم بموجب المواطنة.




