رأي

خطاب الصخب والتهليل… حين يُستبدل الواقع بالهتاف

سمية النور دهب

 

سمية النور دهب 

ما كتبه فتح الرحمن النحاس لا يمكن اعتباره مقالاً بقدر ما هو نشيد تعبوي مفرغ من أي مضمون تحليلي، قائم على التهويل والتمجيد، لا على الوقائع والحقائق. فالنص لا يقدم قراءة موضوعية لدور ياسر العطا، بل يحاول صناعة صورة بطولية متخيلة، تتغذى على اللغة الحماسية أكثر مما تستند إلى نتائج ملموسة.

إن تحويل أي قائد عسكري إلى “رمز مطلق” فوق النقد، هو في حد ذاته اعتراف بالعجز عن تقييم الأداء الحقيقي. فالقادة لا يُقاسون بحدة خطاباتهم ولا بقوة مفرداتهم، بل بما يحققونه على الأرض. والواقع الحالي لا يعكس ذلك “الانتصار الكاسح” الذي يحاول المقال تسويقه.

الأخطر في خطاب النحاس أنه يستبدل التحليل بالشتم، والوقائع بالتحريض، فيغرق في لغة مليئة بالإقصاء والتجريد من الإنسانية، وكأن الحرب مجرد ساحة لتصفية الحسابات اللفظية، لا مأساة وطنية يدفع ثمنها المدنيون يوميًا.

أما الحديث عن “الثبات والجسارة”، فهو تكرار محفوظ لا يصمد أمام أي مراجعة جادة لمسار الأحداث. فالمواقف المتقلبة والتصريحات المتناقضة التي صدرت في مراحل مختلفة تطرح تساؤلات مشروعة حول الاتساق والوضوح، وهي قضايا يتجاهلها المقال بالكامل، لأنه مشغول بصناعة صورة لا بمناقشة واقع.

اللغة التي يستخدمها الكاتب، والمشحونة بالتحريض والعداء، لا تعكس قوة موقف، بل هشاشته. فحين يغيب المنطق، يرتفع الصوت. وحين تغيب الحجة، تحضر المبالغة. وهذا بالضبط ما يفعله النص: يرفع سقف الضجيج ليغطي على فراغ المعنى.

إن أخطر ما في هذا النوع من الكتابة أنه لا يكتفي بتزييف الواقع، بل يسهم في تعميق الانقسام، عبر تغذية خطاب الكراهية بدلاً من البحث عن مخرج وطني للأزمة. فالوطن لا يُبنى بالهتافات، ولا تُدار الحروب بالشعارات.

في النهاية، لا يحتاج القارئ إلى كل هذا الصخب ليحكم. فالنتائج على الأرض هي الفيصل، لا المقالات المنفعلة. وبين خطاب يصرخ، وواقع يتحدث بصمت، تبقى الحقيقة أوضح من كل محاولات التزيين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!