السودان والهيمنة المصرية الصيحة الاخيرة قبل الابتلاع… الفصل الرابع موارد السودان المنهوبة
المفكر والكاتب الساسي د.النور حمد

المفكر والكاتب السياسي د.النور حمد
مصر تصدر زيت السمسم السوداني
أما بخصوص الزيوت والكركدى وبعض السلع السودانية الأخرى، فقد أكد رئيس شعبة مصدري الحبوب الزيتية، محمد عباس، وجود فسادٍ وعملٍ ممنهجٍ يجري في صادر الحبوب الزيتية. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع أسعار الفول السوداني والحبوب الزيتية الأخرى. وشنَّ هجومًا عنيفًا على بنك السودان المركزي وجهاتٍ أخرى، لم يسمها، قائلًا إنها تعمل على عرقلة صادر الحبوب الزيتية عن طريق منع الدفع المقدم باعتبارها تحويلات غير حقيقية. وأوضح أنهم ظلوا يشتكون لمدة عامين من الفوضى والتلاعب في صادر الحبوب الزيتية عبر “فورمة” (دي أي)، وعدَّها تهريبًا مقننًا. وأوضح عباس أن وزارة التجارة تصدر سنويًا إلى مصر 135 ألف طن سمسم بما قيمته 140 مليون دولار، عدَّها تهريبًا مقننًا. وأشار إلى أن مصر تأخذ سنويًا كركدي وسنمكة وسمسمًا بما قيمته أكثر من 300 مليون دولار. وأوضح أنهم طالبوا مرارًا باعتماد قرار الدفع المقدم، إلا أنه قوبل بالرفض. وشدد على ضرورة اعتماد الدفع المقدم خاصة مع دول الجوار.
وقد نقلت نفس هذا الخبر صحيفة الراكوبة الإلكترونية ونسبت إلى محمد عباس قوله: إن ما بين 40 إلى 50 عربة شاحنة تخرج إلى مصر يوميًا. وشدد على ضرورة اعتماد الدفع المقدم خاصةً مع دول الجوار، ونوه إلى أن السودان يفقد سنويًا من 200 إلى 250 مليون دولار تذهب إلى مصر، الأمر الذي عده تخريبًا للاقتصاد السوداني. وأضاف أن الحكومة لا تقبل الدفع المقدم لأنها هذا هو ما تريده. وأضاف أن مصر تصدِّر إلى الخارج سنويًّا 100 طن من زيت السمسم المجلوبة حبوبه من السودان. كما أشار إلى تصدير آلاف الأطنان من السمسم في العام السابق إلى الصين ومصر، من غير غربلة.
مصر على وشك الإطباق على السودان
من يتابع مواقع التواصل الاجتماعي هذه الأيام لابد أن يلحظ انشغالاً مصريًا يبلغ حد الهوس بالسودان. في هذه المواقع تجد من يحتفلون بالغناء السوداني الذي لم تستسغه ذائقتهم في يوم من الأيام. كما تجد إشاداتٍ بأخلاق السودانيين وكرمهم واهتمامًا بالعادات الاجتماعية السودانية، وغير هذا من الجهالات المصرية التملُّقية الاسترضائية التغفيلية الفجة. وهذا أمرٌ نبَّه إليه الأستاذ محمود محمد طه المصريين قبل أكثر من ثمانين عامًا، حين خاطب في عام 1952 قائد الانقلاب على النظام الملكي في مصر اللواء محمد نجيب بهذه العبارة: “فإن السودانيين قومٌ يؤذيهم أن يطمع طامعٌ فيما يحمون، كما يؤذيهم أن يبالغ في العطف عليهم العاطفون”. ولا يأخذني شكٌّ أبدًا أن بعض ما غصَّت به وسائط التواصل الاجتماعي المصرية مؤخرًا، يجري وفقًا لحملاتٍ منظمةٍ يقف وراءها جهاز المخابرات المصري، الذي شعر أن لحظة الإطباق على السودان، من جديدٍ قد أزفت. ومن يُرد أن يعرف كيف تخطط مصر للإطباق النهائي على السودان، في فترة وجود البرهان في السلطة، ولماذا هي حريصة كل الحرص على وجوده فيها، عليه مشاهدة الفيديو الذي أعده وبثه الصحفي المصري محمد عاصي، الذي يصف نفسه بأنه “صحفي اقتصاد”. وقد قام السودانيون بنشر هذا الفيديو بكثافةٍ على مواقع التواصل الاجتماعي. وإلى جانب ذلك، هناك سياسيون واقتصاديون يتحدثون عن ضرورة الذهاب إلى السودان وشراء الأراضي فيه واستخدام مياهه لصالح مصر، ومن أمثلة ذلك د. محمود عمارة. وسوف أقوم بعرض لمحتوى ما بثه محمد أبو عاصم، فما ورد على لسانه يحتاج إلى تسليط الضوء. فأخطار الهيمنة المصرية وفقًا لما احتواه هذا الفيديو من إشارات، سوف تتعدى السودان لتصل إلى كل الجوار الجنوبي لمصر؛ القريب منه والبعيد في هجمةٍ واسعةٍ على موارد الدول الأفريقية، يمكن أن نصفها بأنها توسُّعٍ خديويِّ ناعمٌ جديد.
التَّعْمِيِةُ على ما تحصل عليه مصر من السودان
للأنظمة المصرية المتعاقبة نهجٌ ثابتٌ في التَّعْمِيَةِ على ما تحصل عليه من السودان. وربما دخل هذا في باب “يكاد المُريب أن يقول خذوني”. ومن أمثلة التعميات المصرية على ما يجيئها من السودان، ما ورد في تقريرٍ لمركز البحوث الزراعية المصري، الذي يُرمز إليه بـ ARC وموقعه على شبكة الإنترنت https://shorturl.at/lRUHq. ذكر أحد تقارير هذا الموقع أن قيمة الواردات المصرية من اللحوم الحمراء من أستراليا، والدنمارك، وألمانيا، والصومال، وأمريكا تصل إلى حوالي 94.6% من إجمالي الواردات المصرية من اللحوم ومشتقاتها الصالحة للأكل خلال متوسط الفترة 2018-2022. وأرجو أن يلاحظ القارئ أن اسم السودان لم يرد هنا على الإطلاق، رغم أنه البلد الذي تذهب منه اللحوم الحية والمذبوحة إلى مصر بالشاحنات يوميًا. فتقديم الإحصائية بهذه الصورة يخفي دور السودان كليًّا في مد مصر باللحوم. لكن دعونا، في المقابل، نقرأ ما أورده موقع “العربية بيزنيس” في 22 يناير 2025، حيث قال: إن وزارة الزراعة الأمريكية تتوقع في تقريرٍ حديثٍ لها أن تتراجع واردات “القاهرة” من الماشية الحية بنحو 44% خلال العام الجاري. وأن هذا يحدث على خلفية استمرار أزمة الحرب الدائرة في السودان، وهو البلد الأكبر توريدًا للحوم الحية إلى مصر. (الخط تحت الجملة من وضع المؤلف). واللحوم الحية التي تذهب إلى مصر هي اللحوم التي تقوم مصر بتصديرها إلى بقية أجزاء العالم بسبب ارتفاع الطلب عليها لجودتها العالية، وفقًا لشهادة وزير التجارة المصري، المهندس، أحمد سمير صالح. فقد قال هذا الوزير أن منتجات مصر من اللحوم قد حازت على المستوى الأول عالميًّا لأنها تعتمد على الثورة الحيوانية السودانية، التي تُعدُّ عالميًّا من أفضل وأجود المنتج في العالم، لأنها تعتمد بنسبة مائة في المائة على المرعى الطبيعي، ما أكسبها إقبالاً عالمياً على المستوى الأول. أما بخصوص المنتجات المصرية من الجلود، فقد قال: إننا نفخر بهذا القطاع الحيوي الذي، أيضًا، بفضل الله، تصدَّر المرتبة الأولى عالميًّا لجودة المواشي السودانية وخلوها من الأمراض. (تكبير الفنط والخط تحت الجملة من وضع المؤلف).
مصر تُصَدِّر السمسم!
يقول موقع استاتيستا Statista الإحصائي: أصبح السودان اعتبارًا من عام 2021، المنتج الرئيسي لبذور السمسم في أفريقيا. أنتج السودان من بذور السمسم ما يزيد عن 11.19 مليون طن متري. وتلي السودان في ذلك تنزانيا ونيجيريا بكمية إنتاج بلغت 700 ألف طن متري. ولنلاحظ هنا الفرق بين السودان وبين ثاني أكبر المنتجين في إفريقيا، وهما نيجيريا وتنزانيا اللتان تنتجان أقل من مليون طن متري، في حين ينتج السودان أكثر من 11 مليون طن متري. أما مصر فقد جاءت القطر رقم 15 في إنتاج السمسم في إفريقيا، بإنتاجٍ لا يتعدى 45 طنًا في السنة، في حين أن إنتاج السودان من السمسم يتعدى 11 مليون طن. ومع ذلك تصدر مصر السمسم إلى العالم. ويقول موقع تنمية الصادرات المصرية EDA، إن شركة ليجند انترناشونال Legend International Company تستطيع تصدير 100,000 طن من السمسم شهريًا لمن يطلبها. ويعني هذا أن هذه الشركة تستطيع توفير أكثر من مليون طن من السمسم سنويًّا للمستوردين. فكيف يحدث هذا وإنتاج مصر من السمسم لا يتعدى 45 ألف طن في العام؟ ما أورده هذا الموقع عن قدرة مصر على تصدير السمسم يقدم أقوى الأدلة على نهب مصر للمنتجات السودانية. كما يقدم أقوى الأدلة على بشاعة منظومة الفساد المؤسسي التي أقامها تنظيم الإخوان المسلمين في السودان التي سمحت بهذا النهب الضخم الذي جرى في فترتي حكم الرئيس المخلوع عمر البشير، والفريق عبد الفتاح البرهان. بل، إن الفريق البرهان في طريقه إلى رهن السودان بكل ما فيه للنظام المصري.
المعروف أن إنتاج السمسم يكثر في المنطقة المدارية، وأكثر منتجيه في العالم هي دول ميانمار والصين والهند والسودان وتنزانيا ونيجريا وإثيوبيا. يقول موقع تنمية الصادرات المصرية EDA، الذي أشرنا إليه سابقًا، أن شركة أخرى اسمها “ميزا فودز” Meza Foods المصرية، تصدِّر بذور السمسم الذهبي ذات الجودة العالية من مصر إلى الأسواق الخارجية بأسعار تنافسية، وأن في وسعها توفير 100 طن في اليوم. ففي حين يتحدث موقع تنمية الصادرات المصرية عن هذه المقادير الضخمة التي تقوم هذه الشركة المصرية وحدها بتصديرها إلى الخارج من حبوب السمسم، نجد أن موقع الشروق قد أورد في الأربعاء 3 مايو 2023، ما يفيد بأن مصر غير مكتفية أصلًا من محصول السمسم، ذاكرًا أنها تستورده بكمياتٍ كبيرة. ويقول الموقع في ذلك، إن واردات مصر من السمسم ارتفعت بنسبة 70.3% لتسجل 9.5 مليون دولارًا خلال شهر فبراير 2023، مقابل 5.6 مليون دولار خلال نفس شهر فبراير من العام السابق 2022. ولابد من الملاحظة هنا أن زيادة الاستيراد قد حدثت بعد عامين من الانقلاب الذي نفذه الفريق البرهان على حكومة الثورة التي ترأس وزارتها عبد الله حمدوك. وغالبًا ما يكون التراجع في واردات السمسم في عام 2022، قد كان نتيجةً لإغلاق ثوار المديرية الشمالية الطريق الرابط بين السودان ومصر.
تقول كاتبة التقرير، أميرة عاصي، إنها استندت على بيانات وردت في نشرة التجارة الخارجية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر. وإن واردات مصر من السمسم قد تراجعت خلال الـ 9 أشهر الأولى من عام 2022، خلال الفترة وهي: (يناير – سبتمبر)، لتبلغ 52.7 مليون دولار، مقابل 64.8 مليون دولار عن نفس الفترة من العام الماضي 2021. أهم ما جاء فيما أوردته الكاتبة أن المساحات المزروعة فى مصر من السمسم تتراوح بين 40-60 ألف فدان سنويًا. فهذه المساحة المزروعة بالسمسم في مصر لا تساوي 5% من المساحة المزروعة بالسمسم في السودان. وعمومًا فإن ما أقامه الثوار من حواجز على الطريق الرابط بين السودان ومصر في الولاية الشمالية، وما قاموا به من تفتيش للشاحنات المصرية التي تدخل إلى أعمال السودان كشفت أنواعًا مختلفة من المنتجات السودانية التي يجري تهريبها إلى مصر. وقد حدث أن وجدوا سبائك ذهب داخل عبوات الحبوب. وتؤكد مختلف التقارير أن معظم الذهب السوداني الذي يجري إرساله إلى الخارج يذهب عن طريق التهريب. وقد أوردت شبكة “سي إن إن” الأمريكية أن ما يجري تهريبه من إنتاج الذهب السوداني يصل إلى 90% من كمية الذهب المنتجة.
مصر تُصدِّر الصمغ العربي!
أورد موقعWorld Integrated Trade Solution ، إن مصر تُصدِّر صمغًا عربيًا بما يصل إلى مليار ونصف المليار دولارًا سنويا. هذا في حين أن أشجار الهشاب وغيرها من الأشجار من فصيلة أكاشيا التي تنتج الصمغ لا تنبت إلا في الحزام الإفريقي الواقع في المنطقة المدارية في نطاق السافنا الفقيرة. فمن أين لمصر كميات الصمغ التي تصدرها بمليار ونصف من الدولارات سنويًا؟ وقد أورد طارق الشيخ الأمين، الذي كان أمينًا عامًا لمجلس الصمغ العربي، حتى مايو/أيار 2022، أن نصيب السودان من تجارة الأصماغ الطبيعية في العالم يتراوح بين 8% و10% على الرغم من أنه ينتج 80% من الإنتاج العالمي. وهذه واحدة من غرائب الفساد في السودان ومن فتح حدود البلاد للتهريب. وأضاف قائلاً: إننا في السودان نخسر 90% من القيمة المضافة، فعائد الصادر في أحسن أحواله لا يتعدى 120 مليون دولارًا، في الوقت الذي يتضاعف فيه سعر المُنتج بالسوق العالمي خمس مرات. وبطبيعة الحال ليست مصر هي الدولة الوحيدة التي تصدر المنتجات السودانية، فعدد من دول الجوار يجري تهريب المنتجات السودانية إليها. وهذا ما يشير إلى الخلل البنيوي القاتل الذي أحدثة نظام الإخوان المسلمين الكليبتوقراطي في بنية الدولة السودانية. وهذا هو الذي جعل السودان فريسةً سهلةً تتلمَّظ لها شفاه جميع الدول المحيطة بها؛ قويِّها وضعيفِها.
أيضًا، يدخل في أسباب هذا الانهيار المريع للدولة السودانية وفقدانها السيطرة على مواردها، ما يقوم به أصحاب المصالح من الرأسماليين وكبار التجار الذين عُرفوا بانتهاج أسهل السبل لتحقيق الربح. ومن ضمن السبل السهلة لتحقيق الأرباح تصدير الخام بالطرق الرسمية التي تتضمن فسادًا وتلاعبًا بالضوابط، من جانب المسؤولين، وعن طريق التهريب المباشر إلى دول الجوار. فالفساد المؤسسي غير المسبوق الذي أصبح السمة الرئيسية للأداء الحكومي في السودان بفعل النظام اللصوصي الإخواني، هو السبب وراء هذا الهدر الضخم للموارد.
من المهم القول، بعد إيراد تلك الإحصاءات الموجزة التي تشير بوضوح لا لبس فيه، أن مصر تصدِّر منتجاتنا، الإشارة إلى أن مصر لا تفعل شيئًا فيما يخص تصدير منتجاتنا. فكل ما تفعله مصر في جعل منتجاتنا قابلة للتصدير إلى الخارج تستطيع الدولة السودانية فعله، وبسهولة شديدة، لولا أن المسؤولين الفاسدين والطبقة المحيطة بهم لا تريد ذلك. فمصر فقط تضفي على المنتجات السودانية ما تسمى “القيمة المضافة”، التي قد لا تتعدى مجرد الغسل أو التبريد للفواكه واللحوم. إضافةً إلى التغليف الجيد وتقديم العينات المعدة إعدادًا جيدًا التي تنال الموافقة من المستوردين، ثم القدرة على الترويج والتسويق. إلى جانب ذلك، توفير وسائل النقل الجوي والبحري المعدة لمثل هذه الأغراض. ثم يأتي دور المواني الكفؤة، وكل تلك أمورٌ مقدورٌ عليها، بل هي من أوجب واجبات الدولة، لو كانت الدولة في يد حكامٍ وطنيين أوفياء لوطنهم وشعبهم، وليست في قبضة لصوص يدمِّرون منشآت بلادهم ويضعفون قدراتها، ليحشوا حساباتهم الشخصية في البنوك الأجنبية بالدولارات. وقد سبق أن نظَّم البرهان والنظام المصري وتنظيم الإخوان المسلمين ممثلًا في الناظر محمد الأمين ترك، مؤامرة إغلاق ميناء بورتسودان والطريق البري الرابط بينه وبين بقية البلاد لهلهلة حكومة حمدوك وخنقها، ما جعل مصر تفتح موانيها لحركة التصدير والاستيراد السودانية. وقد كسبت مصر من ذلك ماليًّا وسياسيّا.
مصر تعترف بنهب موارد السودان!
قبل 25 يومًا من انقلاب الفريق عبد الفتاح البرهان على حكومة رئيس وزراء الفترة الانتقالية، د. عبد الله حمدوك، كتب د. عبد اللطيف محمد سعيد مقالاً في موقع “النورس نيوز”، سبق أن أشرنا إليه. أورد فيه جزءًا من كلمةٍ لوزير التجارة والصناعة المصري، الباشمهندس، أحمد سمير صالح جاء فيها: بعون الله تشهد مصر نهضة صناعية وتجارية مطرده أهَّلها لكسب ثقة الأسواق الأوروبية والغربية والعربية، وحتى دول الجوار الافريقي، إذ أنها انتهجت سياسية الدولة الاستراتيجية للصناعات التحولية. فبحمد الله قفز مستوى عدد المصانع في مصر من 320 مصنع في 2016م الي 1200 مصنعًا في عام 2022م. ويشكل هذا التطور نهضةً غير مسبوقةٍ على المستوى العربي والأفريقي، بل على مستوى العالم. وكان ذلك بفضل هذا التطور في كل الصناعات التحويلية من صمغ عربي، وسمسم، وكركدي، وسنمكه، وفول سوداني، وقمح، ودخن، وماريق، وطابت، وقدم الحمام، وغيره من المنتجات الزراعية. الشاهد هنا، أن كل هذه المنتجات التي ذكرها الوزير المصري منتجاتٌ سودانية. (تكبير الخط ووضع الخط تحت الجملة من عمل المؤلف)
أما على مستوى صناعة المعادن، فيقول وزير التجارة المصري إن الكثير من المعادن السودانية النادرة كالذهب والنحاس والكروم والحديد وغيره ترفد مصانعهم. ويواصل قائلًا: “بذلك نخلص إلى تضاعف مستوى العقودات مع الشركات العالمية، حيث تجاوز الستين مليار دولار، لذلك، نحن مهتمون جدًا بمسألة استقرار الأوضاع السياسية في السودان. وأضاف الوزير المصري أنهم يدعمون الاتفاق الإطاري والتحول المدني الكامل للسلطة، لتستقر الأوضاع، ويستمر تدفق المنتجات السودانية الممتازة. غير أن الذي حدث فعلاً أن مصر لم تدعم الاتفاق الإطاري، وإنما عملت بكل مل تملك على نسفه ليتحقق ما قاله الوزير وهو أن: “ويستمر تدفق المنتجات السودانية الممتازة”. أما بخصوص ما تصدره مصر إلى السودان فلم يجد شيئًا يقوله سوى السراميك والأسمنت والأدوية ولعب أطفال”.
للمرء أن يتساءل: أليس من اللافت أن يزداد عدد المصانع في مصر من 320 مصنعًا في عام 2016، إلى 1200 مصنعًا في عام 2022؟ أي، بعد 6 سنوات فقط! فمن الواضح من حديث الوزير، أن سبب هذه الزيادة الضخمة في عدد المصانع قد حدثت لاستقبال المواد الخام السودانية التي يتباهى الوزير المصري بجودتها وكأنها من إنتاج بلده، هو وجود الفريق عبد الفتاح البرهان على رأس السلطة في السودان. فهو الذي أتاح هذه الفرصة الكبيرة للنظام المصري لكي ينهب موارد السودان على هذا النحو العجيب. ويشير هذا أيضًا، إلى سيطرة العسكر على الاقتصاد في السودان، وإدارته بمعزل عن رقابة الدولة، في هذه الفترة الممتدة من 2016 إلى 2023. فالتدفق الخرافي للمواد الخام السودانية إلى مصر ازدادت معدلاته في السنتين الأخيرتين من حكم الرئيس المخلوع عمر البشير، (2016 – 2018). غير أنه تواصل بضخامةٍ أكبر في السنوات الخمس التي تلت ذلك، ابتداءً من ديسمبر 2018 وإلى عام 2023. وقد كان نتيجةً لسيطرة العسكر على مقاليد الأمور في السودان، عقب الإطاحة بالرئيس عمر البشير.
لقد عمل الفريق عبد الفتاح البرهان، والتنظيم الإخواني على عرقلة كل محاولات الإصلاح التي حاولت حكومة د عبد الله حمدوك القيام بها، ومنها تقييد تصدير الخام. فالفريق البرهان قام عقب الانقلاب على حكومة حمدوك في أكتوبر 2021 بوضع يده على شركات المؤسسة العسكرية السودانية، التي أصبحت الأنبوب الذي تشفط عبره مصر موارد السودان الاقتصادية الخام. لتقوم مصر نيابةً عن السودان بوضع القيمة المضافة عليها ومن ثم تصديرها. ويجري هذا عبر اتفاق بين المؤسستين العسكريتين في كل من السودان ومصر، اللتان تعملان باستقلالٍ تامٍّ عن الدولة الأم في كلا البلدين.
مرةً أخرى، وجد النظام المصري الحالي في الفريق البرهان أنموذج الحاكم العسكري الذي ظلت تبحث عنه مصر منذ استقلال السودان. لذلك انخرطت بكل الوسائل لهندسة الأحوال السياسية السودانية الداخلية، بما يُبقي البرهان على قمة السلطة في السودان، ولأطول فترةٍ ممكنة. أسهمت مصر، وبقوةٍ، عبر جهاز مخابراتها وسيطرتها على رئيس جهاز المخابرات السوداني السابق صلاح قوش، المقيم في مصر، وعبر اختراقها لجهاز الاستخبارات العسكرية السودانية، في تعطيل ثورة ديسمبر 2018 من بلوغ أهدافها. وقد أعانها في ذلك، أيضًا، ما أبداه الفريق عبد الفتاح البرهان من استعداد لا محدود لخدمة أجندتها في السودان، نظير دعمها له؛ سياسيًّا، ودبلوماسيًّا، وعسكريًّا. بسبب كل ذلك، أسهمت مصر بفكرة فض اعتصام القيادة العامة، ليكون على نسق فض اعتصام ميدان رابعة العدوية في مصر، وأن تجري فيه ممارسةٌ لأقصى درجات الوحشية، بما يُحدث صدمة هائلة، ينتج عنها خضوعٌ واستكانةٌ شعبيةٌ تامة. وكذلك عبر تشكيل الحاضنة الشعبية الضرار، من بقايا النظام القديم ومن الكارهين للثورة، وعبر إغلاق الموانئ والطرق السريعة لخنق حكومة عبد الله حمدوك، تمهيدًا للانقلاب عليها. ولا يزال النظام المصري منخرطًا، حتى هذه اللحظة، عبر أذرعه العديدة من السودانيين الذي وضعهم في خدمته في محاولة هندسة الأمور في السودان، والذهاب بعامل الحرب نحو حلٍّ يبقي على الفريق البرهان مسيطرًا على الأمور في السودان تحت مظلة ما يسمى “الحوار السوداني السوداني” الذي سوف تقوم به دائرةٌ ديكوريةٌ من السياسيين المعروفين بالارتشاء من سدنة النظام القديم، ومن بعض المثقفين الموالين لمصر، إضافةً إلى أصحاب المصالح التجارية من رجال المال والأعمال السودانيين. كل هذا الجهد السياسي المصري المفضوح غرضه تقديم السند السياسي للفريق البرهان، والزعم أن بقاءه في السلطة خيارٌ شعبيٌّ محض.
مصر تصدِّر نيابةً عن السودان
واضح من حديث وزير التجارة والصناعة المصري، أحمد سمير صالح، الذي سبق أن أوردناه، أن مصر تعلن على الملأ أنها تصدر المنتجات السودانية نيابةً عنه، بل وتتباهي أمام العالم بجودتها. وهذا يجعل المرء في حيرةٍ من أمره. فكيف يسمح بلدٌ مستقلٌ كالسودان بإرسال مواده الخام؛ كالصمغ واللحوم والذرة والسمسم والكركديى والقونقوليس والقرض وغيرها إلى مصر، لا ليستهلكها المصريون كمشترين، مثلهم مثل غيرهم من الدول، وإنما لتقوم الدولة المصرية أو الشركات المصرية بإضفاء القيمة المضافة عليها، التي قد لا تتعدى التنظيف والتغليف كما سبق أن ذكرنا، ثم إرسالها إلى الخارج بوصفها منتجاتٍ مصرية؟ هل يصعب على السودان أن يبرِّد لحومه أو يحولها إلى صيغ أخرى أو أن يغلف سمسمه أو صمغه أو زهرة الكركدى التي ينتجها بوفرة، وغير ذلك من السلع، ثم يرسلها إلى الخارج كمنتجاتٍ سودانية؟ أوليس من مسؤولية الدولة أن تسعى بكل السبل إلى إضفاء القيمة المضافة على منتجاتها الأولية لزيادة قيمتها، ومن ثم جني عوائدٍ دولاريةٍ منها تسهم في تحسين اقتصاد البلاد وأحوال العباد؟ أكثر من ذلك، وكما سبق أن ذكرنا، أن مصر؛ سواءً كانت الدولة المصرية أو التجار المصريين يشترون المنتجات السودانية بالعملة المحلية من داخل السودان، بل وبعملةٍ سودانيةٍ يقول البعض إن تزييفها يجري داخل مصر نفسها. فالشاحنات المصرية يُسمح لها بأن تدخل في العمق السوداني وتشتري مباشرةً من المنتجين فتشحن ما اشترته ثم ترسله مباشرةً إلى مصر. في حين أن الشاحنات السودانية لا يُسمح لها بعبور الحدود المصرية. أليس هذا، في حدِّ ذاته هيمنةٌ وامتهانٌ واستضعافٌ يدل على مدى مذلَّةِ وانعدامِ كرامةِ من يحكموننا؟
لقد رضخ نظام الفريق البرهان للنظام الحاكم في مصر بصورةٍ لا أظنها قد حدثت قط بين أي بلدين جارين. بل، يمكن القول، وبكل تأكيد إن الفريق البرهان ومعه قطاعٌ من دهاقنة النظام الإخواني اللصوصي يبيعون الآن السودان لمصر، راضخين للمشروع المصري الكبير لاستلحاق السودان الذي يجري إعداده الآن بموافقة البرهان وطاقمه. وسوف نرى ذلك عندما نناقش لاحقًا فيديو الصحفي الاقتصادي المصري، محمد أبو عاصم الذي جرى تبادله بكثافةٍ لافتةٍ في منصات التواصل الاجتماعي السودانية مؤخرًا. لنتعرف كيف تخطط مصر حاليًّا للإطباق بصورةٍ نهائيةٍ على السودان.
تذهب المنتجات السودانية إلى مصر عن طريقين: الطريق الأول عبر العلاقة بين شركات الجيش السوداني والجيش المصري. وقد أوردت صحيفة “سودان تربيون” أن الجيش السوداني الذي يحكم البلاد حاليًا يسيطر على قطاع تصدير الحيوانات الحية، إضافة إلى المذبوحة من مسلخ يمتلكه في العاصمة الخرطوم، وأن عوائد هذه المسالخ تصل إلى مليارين من الدولارات في العام. ولابد من التنبيه هنا إلى أن ما تجنيه شركات الجيش السوداني من عملاتٍ حرة، نظير ما تقوم بتصديره إلى مصر، لا يدخل في حسابات الدولة السودانية، وإنما يذهب إلى الدولة الموازية التي يسيطر عليها الجيش والنظام الإخواني اللصوصي. وقد تفاقم ذلك واتسعت دوائره، بصورةٍ غير مسبوقةٍ، بعد أن وصل الفريق عبد الفتاح البرهان إلى السلطة.
أيضًا يذهب جزءٌ كبيرٌ من موارد السودان عن طريق المصدِّرين القُدامى الذين سُمح لهم النظام الإخواني، منذ فترة حكم الرئيس عمر البشير، بمواصلة أعمالهم التجارية نظير التماهي السياسي مع النظام الحاكم. فطبقة رجال المال والأعمال التي اتسعت أعمالها وترسخَّت في الفترة الاستعمارية استطاعت، رغم تقلُّبات الأحوال السياسية في السودان في فترة ما بعد الاستقلال، أن تُبقي على مصالحها مع مختلف الأنظمة العسكرية. وقد أتى نظام الإنقاذ بخطةٍ محكمةٍ للهيمنة السياسية والاقتصادية الكاملة، لم يسبقه عليها لا نظام الفريق إبراهيم عبود ولا نظام المشير جعفر نميري. فنظام الإنقاذ ما أن وصل إلى السلطة في عام 1989 حتى شرع في فرض ما يُسمى “التمكين”، وهو السيطرة الكاملة بواسطة التنظيم الحاكم على كل مفاصل الدولة. بدأ التمكين بتسريح غالبية العاملين في الخدمة المدنية ووضع أعضاء التنظيم الحاكم في أماكنهم، على قاعدة “الولاء قبل الكفاءة”. ثم تمددت إجراءات التمكين لتشمل السيطرة على كامل اقتصاد الدولة بواسطة أعضاء التنظيم الإخواني. بهذا أصبحت أنشطة التصدير والاستيراد، وغيرها من الأنشطة الاقتصادية، في يد التنظيم الحاكم. ولا مجال للآخرين أن يبقوا في هذه الدائرة إلا عن طريق إثبات ولائهم الكامل للممسكين بالسلطة والثروة من أهل التنظيم الإخواني الحاكم.
أما الطريق الآخر الذي تذهب به مواد السودان الأولية إلى مصر فهو طريق التهريب. والأرجح عندي أن ما يذهب إلى مصر من موارد السودان الاقتصادية عن طريق التهريب المباشر، أو عن طريق دفع الرشى لموظفي الجمارك على الحدود، أكبر بكثير مما يجري عبر الطرق الرسمية. وبما أن نظام الحكم في السودان نظامٌ لصوصيٌّ سيطر عليه الفساد المؤسسي، فإن بعض العاملين من كبار الضباط في الجيش والشرطة وكبار المسؤولين في الدولة منخرطون بمختلف الصور في أنشطة التهريب المباشر، وفي أنشطة التهريب الأخرى التي تجري عبر شبكات الفساد. وما من شك أن قمة السلطة ممثلةً في البرهان وحلفائه يغضون الطرف عن أنشطة التهريب لسببين؛ أولهما: الزبائنية التي تربط بين مركز السلطة وقادة القوى الأمنية التي تحرس النظام. أما السبب الآخر: فهو عدم اكتراث الفريق البرهان بسيادة السودان وبموارده وهو يسعى لتلقي الدعم والحماية المصرية واستدامة إمساكه بالسلطة.
لا بد من الإشارة هنا إلى أن الفريق البرهان قد سار على طريقٍ مطروقٍ مشى عليه قبله الرئيس عمر البشير وتنظيمه الإخواني. ويتمثَّل ذلك النهج في نهب موارد البلاد وإيداعها الجيوب الخاصة في حسابات واستثماراتٍ ضخمة خارج السودان. وهذا هو ديدن الكثير من الأنظمة الديكتاتورية العسكرية الكليبتوقراطية. وقاد ساد هذا النهج حتى الآن لفترةٍ بلغت 36 عامًا. وعلى سبيل المثال، فإن البترول الذي ظل يُستخرج عبر عقدٍ من الزمان قبل انفصال الجنوب، لم يعرف السودانيون إلى اليوم مقدار ما جرى تصديره منه، على وجه الدقة. كما أن عائداته لم تدخل خزينة الدولة، ولم يشعر السودانيون بأي أثرٍ بارزٍ له على حياتهم. كما أن الذهب ظل يُستخرج بكمياتٍ كبيرةٍ لما يقارب العشرين عامًا حتى الآن، ولم ير له السودانيون، أيضًا، أثرًا على حياتهم.
الفترتان اللَّتان سيطر فيهما على مقاليد الأمور كلٌّ من الرئيس المخلوع عمر البشير وخلفه الفريق البرهان، الذي عمل تحت إمرته، وقاد انقلاب 25 أكتوبر 2021، على الوثيقة الدستورية وخارطة طريق التحول الديمقراطي، هما الفترتان اللَّتان حدث فيهما هذا الانفجار الكبير في إنشاء مصانع الصناعات التحويلية، في مصر الذي سبق أن أوردنا فيه شهادة الوزير المصري. وواضحٌ جدًا أن هذا الانفجار الضخم في أعداد المصانع في مصر قد كان نتيجةً مباشرةً لتفاقم معدلات الفساد في السودان، بل وللعمالة الصريحة من جانب البشير والبرهان لمصر. لقد أصبح السودان يسير في هذه الفترة المظلمة ليصبح مستعمرةً مصرية. وهذا يحدث الآن بطريقةٍ خفيَّةٍ بالغة النعومة. في هذه الفترة، جعلت مصر من نفسها وكيلاً شبه حصريٍّ لتصدير منتجات السودان باسمها. وكما رأينا، كيف لم يجد وزير التجارة المصري أي حرجٍ في أن يسرف في مدح المنتجات السودانية ويتباهى بها أمام العالم وكأنها من منتجات بلده! وكل المنتجات التي عدَّدها الوزير المصري لا تنتج منها مصر شيئًا، باستثناء قليلٍ من الكركدى والسمسم والذهب، التي لا تقارن كمياتها قط بما ينتجه السودان منها. وتعج شبكة الإنترنت بالإحصاءات الدولية التي تؤكد الكميات القليلة مما تنتجه مصر من هذه السلع.
مصر تصدر الذهب السوداني
أورد موقع Trends in Africa أن صادرات مصر من الذهب إلى دولة الإمارات العربية المتحدة قد ارتفعت في الفترة من يناير إلى نوفمبر 2024، بنسبة 103%، بقيمةٍ بلغت 1.7 مليارًا من الدولارات. أما بالنسبة لسويسرا، فقد زادت صادرات مصر من الذهب بنسبةٍ بلغة 193%، بقيمة بلغت 1 مليار دولارًا خلال نفس الفترة. وهي الفترة الممتدة من يناير إلى نوفمبر 2024. ويقول الموقع إن أغلب هذا الذهب الذي تصدره مصر ذهبٌ سوداني. ويجري إرسالة إلى مصر بواسطة شركة مصرية سودانية نشأت في صورة شراكة بين جهاز المخابرات العامة المصري ومنظومة الصناعات الدفاعية السودانية، التي صدرت ضدها عقوباتٌ أمريكية. ولابد من التذكير هنا بما سبق أن قلناه وهو أن مصر كانت تصوِّت في المحافل الدولية على تمديد فرض العقوبات على السودان، وقد اتضح لاحقًا أنها تفعل ذلك لكي تصبح هي المستحوذ لمنتجاته بكونها المنفذ الوحيد المتاح لصادراته.
الوزير جبريل وتهريب الذهب
من أقوى الأدلة على شفط موارد السودان لمصلحة مصر ما ورد على لسان وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم الذي قال لوكالة (رويترز): إن السودان أنتج 64 طنًّا من الذهب في عام 2024، غير أن القدر الذي جرى تصديره رسميًا كان31 طنًا فقط. ويعني ذلك أن أكثر من نصف الإنتاج من الذهب قد خرج من البلاد عبر طرقٍ غير رسمية. فتصوروا وزيرًا للمالية في دولةٍ يتسرَّب من بين يديه أكثر من نصف إنتاج بلاده من الذهب، ولا يجد حرجًا في قول ذلك للصحافة العالمية، ثم لا يذكر ما قام به هو من تحقيق حول أسباب هذا التسريب الضخم، ولا ما هي خطته لإيقاف هذا الهدر العجيب لموارد البلاد. تحدث الوزير جبريل إبراهيم في هذا الأمر وكأنه يتحدث عن بلادٍ أخرى، وكأنه ليس وزير مالية السودان! بل، ظهر السيد، جبريل إبراهيم في فيديو وهو يرتدي زيًّا عسكريًا، مع الكدمول الدارفوري، ليحكي أنه كان في دولةٍ جارةٍ وإن مسؤوليها ذكروا له إنهم حصلوا في عام 2024 عن طريق التهريب وحده على 48 طنًا من ذهب السودان. ولن تكون هذه الدولة، من وجهة نظري، سوى الجارة مصر. وقد جَبُنَ الوزير جبريل حتى عن ذكرها، رغم أن مسؤوليها قالوا له ذلك بجرأةٍ بلغت درجة الوقاحة أمام عينيه. وقد عكس هذا في نظري مبلغ استهانتهم به وبقدر البلاد التي يمثلها. ثم، حتى بعد أن جاء ليحكي لشعبه هذه المعلومة في مقابلة مبثوثة، لم يستطع أن يذكر اسم تلك الدولة، وقال مرة أخرى “دولة جارة”! فهل هذه قياداتٌ يرجى منها أن تحفظ أي قدرٍ من الكرامة لبلادها ولشعبها؟ لكن، لا عجب فقد شاهد جبريل إبراهيم حرص رئيسه البرهان على تقديم فروض الولاء والطاعة للنظام المصري. وقد لخَّص الفريق البرهان ولاءه المطلق للنظام المصري يوم أن قدَّم التحية العسكرية للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، لدى استقباله له في القاهرة، رغم أن الأخير استقبله بالزي المدني، كرئيسٍ مدنيٍّ “منتخبٍ” للشعب المصري، وليس كقائدٍ لانقلاب عسكري. لكنها الرغبة في الانبطاح التي تعمي صاحبها وتجعل جلده أكثر سماكةً من جلد التمساح.
بئرٌ معطَّلةٌ وقصرٌ مشيد
يمثل الفريق البرهان في نظري نمطًا بالغ الغرابة من أنماط الخراب النفسي وانعدام الحس الديني لدى البشر. وهو أمرٌ من فرط وضوحه وصمه به عبد الحي يوسف الذي لا يختلف عنه في شيء. فإلى جانب جنونه بالسلطة أظهر الفريق البرهان لهفًا استثنائيًا على جني الثروات الطائلة. وهو أمرٌ عُرفت به معظم قيادات العصابة الإخوانية التي حكمت السودان عبر الستة وثلاثين عامًا الماضية. لكن الفريق البرهان فاقها كثيرًا في هذا المنحى. فقد رشح في الأيام الأخيرة أنه راكم في السنوات الخمس الأخيرة ثروةً بلغت 5 مليارات دولار. هذا مع أنه قد أُتي به ليشارك في إدارة فترةٍ انتقاليةٍ قصيرةٍ يُسلِّم بعدها البلاد إلى أهلها. لكنه اختار بدلاً عن ذلك أن يخون الأمانة، ويستقوى على شعبه بالقوة العسكرية. أكثر من ذلك قام بنهب المال العام وذهب به دون أدنى ذرةٍ من حياءٍ إلى تركيا ليبني لنفسه فيها قصرًا بملايين الدولارت. وهو حدثٌ كشف عنه سفير سوداني سابق في تركيا كان شاهدًا على إجراءات الشراء. فعل البرهان هذا في حين أن أكثر من نصف الشعب السوداني يعيش تحت خط الفقر. وفي حين يُعدُّ السودان من أبأس الدول في البنيات التحتية وفي جميع الخدمات التي تقدمها الدول لشعوبها. والأدهى والأمر، أن البرهان اشترى قصره هذا حين كان يعد العدة للحرب التي تسببت في تهجير 13 مليون سوداني من بيوتهم! وقد أرسل أسرته لتعيش في هذا القصر بعيدةً عن مخاطر الحرب.
مصر تُصَنِّع القطن السوداني
في 16 أبريل 2009، أصدر أمين أباظة، وزير الزراعة المصري، قرارًا باستيراد 3000 طن قطن من السودان لصالح شركة الدلتا الزراعية. وتقول صحيفة اليوم السابع المصرية، التي أوردت الخبر أن ذلك قد جاء نتيجة لما ظل يعانيه المزارعون فى مصر بسبب عدم قدرتهم على تسويق محصول القطن لثلاثةِ أعوامٍ متتالية، بسبب انخفاض سعره. وهو ما دفع المزارعين المصريين فى المحافظات المصرية إلى الإقلاع عن زراعة القطن. وبالتالي، انخفضت المساحات المزروعة قطنًا خلال ذلك الموسم إلى 300 ألف فدان، مقارنة بالعام السابق الذى كانت المساحة فيه تزيد عن 650 ألف فدان. وفي 24 /08/2017 أعطى الدكتور عبدالمنعم البنا، وزير الزراعة واستصلاح الأراضي المصري، الموافقة على سفر لجنة من الإدارة المركزية للحجر الزراعي المصري إلى السودان بغرض الإشراف على فحص وتبخير 6500 طن من القطن السوداني، وذلك لحساب إحدى الشركات. وشدَّد القرار على الالتزام الكامل بجميع إجراءات الفحص التي تتم عند وصول الشحنة إلى مصر، وذلك طبقًا للقوانين والتشريعات الحجرية المُنظِّمة في هذا الشأن.
وفي 1 أبريل 2022 كشفت الحكومة المصرية، أن أهم المجموعات السلعية التي استوردتها مصر من السودان قد كانت حيوانات حية بقيمة 193.2 مليون دولارًا. حبوب بقيمة 70.8 مليون دولارًا، وقطن بقيمة 43.6 مليون دولارًا، ولحوم بقيمة 24.2 مليون دولارًا. ولا بد من الملاحظة هنا أن هذه الأرقام لا تشمل التهريب الذي يجري عبره شفط القدر الأكبر من الموارد السودانية بواسطة مصر. وأعني هنا التهريب الذي يجري بعلم سلطات الجمارك في المنافذ الحدودية والآخر، وهو الأكبر، الذي يجري عبر الحدود في المناطق الصحراوية. ويبلغ طول الحدود المشتركة بين مصر والسودان حوالي 1270 كيلو مترًا.
متلازمة الربح السهل
تقع مسؤولية نهب الموارد السودانية في المقام الأول على عاتق التنظيم الإخواني السوداني الذي صنع في داخلها فسادًا مؤسسيًا منعدم الشبيه. وكذلك، على المتحالفين معه من طبقة رجال المال والأعمال. ولو أخذنا على سبيل المثال، تراجع حظوظ السودان في سوق القطن العالمية، وتدمير مشروع الجزيرة وخراب محالج القطن، ودخول الشركات الخاصة في تمويل زراعة القطن في مشروع الجزيرة، فإننا لا نجد سببًا لذلك سوى فساد التنظيم الإخواني، وجشع قياداته، ونهمهم لسرقة المال العام. فمشروع الجزيرة في الأصل مشروعٌ حكوميٌّ أنشأه الاستعمار البريطاني. وقد كان ينتج القطن بكمياتٍ ضخمة جعلت للسودان وضعًا مميزًا في سوق القطن طويل التيلة على مستوى العالم. وكان مشروع الجزيرة يحلج القطن ويقوم بتصديره في بالات. وكانت مصانع الزيوت السودانية تقوم بعصر بذرة القطن لاستخراج زيت الطعام. لكن، في فترة حكم التنظيم الإخواني، جرى تخريبٌ متعمَّدٌ لمشروع الجزيرة بغرض أن ينهار وتؤول ملكيته إلى أفراد في إطار شراكاتٍ مع جهات خارجية. لكن فشلت تلك الهجمة لأسبابٍ قانونيةٍ فجرى إهمالٌ متعمَّدٌ له. إذ قلَّصوا إدارته وباعوا الكثير من أملاكه وأحالوا تمويل الزراعة إلى بعض رجال المال والأعمال. بهذا اضمحل المشروع الحكومي الضخم مترابط المكونات الفنية والإدارية، وتحوَّل إلى ضيعةٍ تجري الزراعة فيها بطريقة عشوائيةٍ، ويتحكم رجال المال في طرق تصدير قطنه.
في مناخ الفساد المستشري، جرى تذويب الضوابط التي تمنع تصدير المواد الخام غير المعالجة، ما نتج عنه، على سبيل المثال، تصدير القطن السوداني غير المحلوج، بعد أن كان ذلك ممنوعًا في الماضي. قاد هذا التدهور بوجوهه المختلفة إلى أن تصبح مصر وجهةً لمصدري القطن السودانيين. وعمومًا، فإن الرأسمالية تفضل سلوك درب الربح السهل. فإن هي وجدت السبيل ممهدًا وميسرًا لها من جانب الدولة لكي تقوم بتصدير الخام فإنها ستفضل ذلك لأنه يدرُّ عليها أرباحًا دون تحمل أي كلفة، كإنشاء مصانع أو توظيف عمالة كبيرة ما يتبع توظيفها من أعباء أخرى. لقد انحصر هم التنظيم الإخواني الحاكم والرأسماليين المتحالفين معه في جني الأرباح الشخصية السهلة. ولم يعد يهمهم قط أذا هدم ذلك بنياتٍ راسخةٍ أو أعاق تطور البلد اقتصاديًّا، أو أبقى أفراد شعبه بلا مصدر للدخل.
نحن السبب في نهب بلادنا
سبق أن أشرت إلى أن مصر لم يكن في وسعها أن تنهب موارد السودان بهذه الصورة الكارثية، لولا أن قطاعًا من نُخَبِنَا المتنفِّذة قد تعاون معها في هذا النهب لأسبابٍ مختلفة. فهؤلاء الذين تعاونوا مع مصر في الهيمنة على القرار السوداني وفي نهب الموارد، ابتداءً بمياه النيل وانتهاءً بكل موردٍ سودانيٍّ آخر؛ نباتيٍّ أو حيوانيٍّ أو معدنيٍّ، ينتمون إلى قبائل شتى. ولفظة قبائل هنا لا تعني القبيلة بمعناها العرقي المعروف، وإنما تعني إلى جانب قبيلة العرق، قبائل أخرى؛ سياسية، ودينية وتجارية وفئوية. ولقد أسميت كل هذه الفئات بقبائل لأنها تشبه في نظرتها لموارد الدولة كغنيمة ولعصبيتها التي تماثل عصبية قبيلة العرق. هذه القبائل لم تدخل نطاق الحداثة وتعمل على هدم أهم مرتكزات الحداثة وهي العدل والشفافية والصالح العام. الدولة في نظر هذه القبائل التي، يدخلها نظام الحكم الكليبتوقراطي في نطاق الزبائنية التي يصنعها بين فئات المجتمع، لترسيخ وجوده، تنظر إلى الدولة كمستودعٍ للثراء الشخصي والجهوي، ويصبح فعلها من ثم منحصرًا في هدم أو تعطيل كل ما يعمل في بنية الدولة على خدمة الوطن والمواطن.
من القبائل الدينية طرقٌ صوفيةٌ تعيش في كل من السودان ومصر. والموجودة منها في السودان غالبيتها مرتبطةٌ ارتباطًا عضويًا بالنخب النيلية الحاكمة للبلاد؛ سواءً أكانت مدنيةً أو عسكرية. كما أن هناك قبيلة القوى الأمنية من جيش وجهاز مخابرات وشرطة. قبيلة القوى الأمنية هذه هي القبيلة التي تحمل الوزر الأكبر في تخريب بنية الدولة السودانية. فهي التي في عهد حكم الإخوان المسلمين المظلم، الذي أرجو أن نكون مارِّين الآن بأخريات أيامه المظلمة، هي التي صنعت الدولة الموازية التي بلغت أن احتكرت حوالي 80% من الثروة. ومن هذه القبائل أيضًا القبائل السياسية المتمثلة في الأحزاب التي حصرت نفسها منذ الاستقلال في خدمة الطائفة أو الحزب أو المحاسيب وأهملت استكمال بناء الدولة المستقلة وترسيخ الديمقراطية وتطوير البنى التحتية والتوسع في مشاريع التنمية. رفع آباء الاستقلال شعار “تحرير لا تعمير”، فتركوا الفعل المجسد في تطوير الواقع الذي يصبح نافعًا للناس وباعوا للشعب الشعار المجرد، الذي وحده لا يسمن ولا يغني من جوع. فهذه القبائل الهادمة لبنية الدولة المعطلة للإمساك بعرى التحديث عديدة وتدخل فيها العديد من فئات المجتمع.
أما القبائل العرقية التي أسهمت في تخريب الدولة فمعروفةٌ وهي، على وجه التحديد، القبائل التي بقيت في موطنها الأصلي في الشمال النيلي؛ ابتداءً من شمال الخرطوم وانتهاءً بمدينة الدبة وما حولها؛ من شايقية، وبديرية، وجعليين ودناقلة وغيرهم. وتدخل في هذه البنية عديد الأقسام الفرعية، التابعة للمجموعة الجعلية الكبرى. وهناك، أيضًا، ولكن بقدرٍ أقل، القبائل النوبية من دناقلة، ومحس، وسكوت، وحلفاويين، وكنوز، في أقصى الشمال النيلي الذين اشتغلوا بالتجارة منذ العهدين التركي والمهدوي وكانوا قريبين من مراكز السلطة، خاصة السلطات الاستعمارية من خديوية ومن بريطانية. إلى جانب كل أولئك، يوجد في داخل كل قبيلةٍ من هذه القبائل من سياسية وعرقية ودينية، الرأسماليون والتجار المرتبطون بمركز السلطة ارتباطًا وثيقًا من أجل حماية وتوسيع مصالحهم. وقد توزع هؤلاء مع الأحزاب السياسية ومع الطرق الصوفية. وفي كل حقبةٍ حكم فيها العسكر لم يفقدوا زبائنيتهم لمركز السلطة.
لقد استثمرت مصر عبر قرنين من الزمان استثمارًا ضخمًا في استتباع العقول السودانية. فخلقت بذلك وسط كثيرٍ من السودانيين شعورًا بالدونية تجاهها. وقد أغرى هذا الانكسار العقلي والنفسي النخب العسكرية المصرية الحاكمة بالمزيد من محاولات الهيمنة على القرار السياسي السوداني، وعلى الموارد السودانية. بل، من شدةِ وثوقِ الأنظمة المصرية من انكسار النخب السودانية أمامها، وقبول التبعية لها، والتودد لها، أصبح غمار المصريين يتحدثون عن السودان بكثيرٍ من قلة الحساسية وعدم الاكتراث. ومن أمثلة ذلك، حديث وزير التجارة المصري الذي سبق أن أوردناه وهو يباهي العالم بجودة المنتجات السودانية، التي تُصَدِّرُها مصر نيابةً عن السودان!!
وفيما يتعلق بقلة حساسية المصريين وهم يخوضون في أمور السودان تذهب الأمور إلى ما هو أسوأ من حديث وزير التجارة المصري، لتصل إلى دركٍ سحيقٍ من الوقاحة والصفاقة. ومن أبرز أمثلة ذلك ما لا ينفك يردده توفيق عكاشة، وغيره من جهلاء المصريين، من أن السودان مستعمرةٌ مصريةٌ ينبغي أن تُستعاد. إلى جانب ذلك، نشط كثيرون من رجال ونساء المخابرات المصرية، منذ نشوب الحرب الحالية، في وسائل التواصل الاجتماعي، وأصبحوا يطلُّون علينا كل ساعةٍ وأخرى من خلال تطبيق “تيك توك”، منخرطين تارة في هجاء السودانيين، وتارة في مدحهم، وتارة أخرى في تدريسهم ما ينبغي عليهم أن يفعلوا أو يتركوا. وهذا طرفٌ من النزعة الوصاية الأبوية المصرية التي أقحمت نفسها بنفسها في شؤوننا، لاعبةً دورًا أشبه ما يكون بدور وليِّ الأمر الحريص على مصلحة أحد أفراد ذريته القُصَّر.
كيف صَبَّ فشلُنا وإفشالنا في صالح مصر؟
فشلنا هو الذي سهَّل على مصر مهمة إفشالنا. لقد كانت مجمل حقبة ما بعد الاستقلال في السودان، التي بلغت حتى الآن 69 عامًا، حقبةً فاشلةً من جميع الوجوه. وقد بلغت في الفشل الأوج في العقود الثلاثة والنصف التي حكم فيها السودان هذا التنظيم الإخواني. وما الحرب الأخيرة التي أشعلها هذا التنظيم، لكي يعود إلى السلطة من جديد، وتسبيبه هذه النكبة الشاملة التي لم تشهد البلاد مثيلاً لها في كل تاريخها الطويل، سوى الخلاصة الأخيرة لهذا الفشل. لكن، للأنظمة المصرية المتعاقبة إسهامها الكبير في إفشال الدولة السودانية، عبر تشجيعها ودعمها للانقلابات العسكرية في السودان، وعبر الانخراط المستمر في هندسة الحياة السياسية السودانية. ويجري هذا عبر وضعها العسكريين السودانيين والقوى الأمنية في قبضتها. وكذلك في جر العديد من القوى السياسية السودانية، بمختلف الطرق، لكي تتبنى الأجندة المصرية داخل السودان. لقد استعمر المصريون بلادنا بجيوشهم مرتين، وحين خرجوا تركوا بيننا نخبًا مُسْتَعْمَرةً عقليًا ووجدانيًا ومستتبعةً بعقلها وبوجدانها وبهويتها المنحولة، وبمصالحها لمصر، الأمر الذي مكَّن لمصر فرص السيطرة الناعمة على مجريات الأمور في بلادنا.
آخر جهود مصر في منع السودان من العودة إلى الحكم الديمقراطي، هو ما جرى منها عقب الإطاحة بنظام الرئيس المخلوع عمر البشير. فمصر لم تتوقف، منذ بداية الفترة الانتقالية عقب الإطاحة بعمر البشير، من التدخل السياسي والعسكري والاقتصادي في الشأن السوداني. وقد نشرت صحيفة لوموند الفرنسية مقالًا يقول كاتبه جان فيليب ريميه، إنه يرى أن الانقلاب الذي قاده الفريق البرهان في السودان قد كان انتصارًا لمصر. ويقول: إن الفريق البرهان ذهب إلى مصر لإبلاغ الرئيس عبد الفتاح السيسي عن خططه، أو لأخذ أوامره، قبل الإطاحة بالسلطة الانتقالية. وذكرت “لوموند”، أيضًا، أن مصر أرادت، بعد أن تلقت في ذلك دعمًا من دول الخليج، أن ترى الجيش السوداني وهو ينهي المغامرة المدنية للانتقال الديمقراطي في السودان.




