
نجم الدين دريسة
في تاريخ الأمم لحظات فاصلة يصبح فيها التمسك بالمسارات القديمة خطراً على بقاء الدولة نفسها. والسودان اليوم يقف أمام واحدة من تلك اللحظات النادرة والحاسمة. فبعد سنوات من الحرب والانقسام والانهيار الاقتصادي والتشظي الاجتماعي، لم يعد السؤال المطروح هو من يملك السلطة، بل إلى أين تمضي البلاد تحت إدارة هذه السلطة.
لقد دخل السودان مرحلة لم تعد فيها الشعارات السياسية قادرة على إخفاء حجم الأزمة الوطنية. فالمواطن الذي فقد منزله أو مصدر رزقه أو حقه في التعليم والعلاج لا يبحث عن الخطب، وإنما عن نتائج ملموسة. وعندما تتراكم الخسائر وتتراجع مؤسسات الدولة وتتسع دائرة المعاناة، يصبح من حق الناس أن يسألوا عن المسؤولية السياسية وعن الخيارات التي أوصلت البلاد إلى هذا الوضع.
من هذا المنطلق أرى أن عبد الفتاح البرهان لم يعد يمثل مشروعاً قادراً على قيادة السودان نحو المستقبل. فالمعيار الحقيقي للحكم ليس حجم السلطة التي يمتلكها القائد، وإنما قدرته على حماية الدولة وصون وحدتها وفتح آفاق الاستقرار أمام شعبه. وعندما تتراجع هذه الأهداف وتتحول البلاد إلى ساحة مفتوحة للأزمات، يصبح من المشروع إعادة تقييم التجربة بأكملها.
إن السودان لا يعاني فقط من آثار الحرب، بل من أزمة عميقة في إدارة الدولة وفي إنتاج رؤية وطنية جامعة. فقد أهدرت سنوات طويلة في الصراعات السياسية والاستقطاب الحاد، بينما تراجعت أولويات التنمية والإصلاح وبناء المؤسسات. وكانت النتيجة دولة مثقلة بالأزمات ومجتمعاً منهكاً واقتصاداً يواجه تحديات غير مسبوقة.
لقد أثبتت التجارب أن الدول لا تنهض عبر الإقصاء ولا عبر احتكار القرار، وإنما عبر بناء توافقات وطنية واسعة تستند إلى المشاركة والشفافية والمحاسبة. وكلما ضاقت دائرة القرار واتسعت الفجوة بين السلطة والمجتمع، ازداد خطر الانقسام وفقدت الدولة قدرتها على إدارة أزماتها بصورة فعالة.
واليوم يبدو السودان في حاجة إلى مراجعة سياسية شاملة تتجاوز الأشخاص والشعارات، وتواجه الأسئلة الحقيقية التي ظلت مؤجلة لسنوات طويلة. كيف تُبنى دولة تستوعب تنوع السودانيين؟ كيف تُعاد هيكلة المؤسسات على أسس مهنية؟ كيف تُستعاد الثقة بين المواطن والدولة؟ وكيف يمكن إنهاء دوامة الصراع التي استنزفت الموارد والطاقات وأرهقت المجتمع؟
إن مستقبل السودان لا يمكن أن يبنى على استمرار الأزمات أو إدارة الصراع باعتباره قدراً دائماً. فالأمم التي تتقدم هي الأمم التي تمتلك الشجاعة لمراجعة أخطائها وتغيير مساراتها عندما تثبت الوقائع أن تلك المسارات لم تعد قادرة على تحقيق الاستقرار أو التنمية أو العدالة.
ومن وجهة نظري، فإن التحدي الأكبر أمام السودانيين اليوم ليس فقط إنهاء الحرب، بل الانتقال إلى مرحلة جديدة تقوم على مشروع وطني جامع يضع مصلحة البلاد فوق المصالح الفئوية والحسابات الضيقة. مشروع يعيد الاعتبار للمواطنة وسيادة القانون ويؤسس لدولة مؤسسات حقيقية تخضع للمساءلة وتعمل لخدمة المواطنين.
لقد دفع السودانيون ثمناً باهظاً من دمائهم وأمنهم واستقرارهم. ومن حقهم أن يتطلعوا إلى مستقبل مختلف، مستقبل تُدار فيه الدولة بعقلية البناء لا إدارة الأزمات، وبمنطق الشراكة لا الاحتكار، وبإرادة سياسية تبحث عن السلام والاستقرار لا عن إعادة إنتاج الانقسامات القديمة.
إن السودان أكبر من أي قائد وأكبر من أي تيار سياسي. وسيبقى الرهان الحقيقي على قدرة السودانيين أنفسهم على بناء عقد وطني جديد يطوي صفحات الصراع ويؤسس لمرحلة يكون فيها المستقبل ملكاً للجميع، لا رهينة لخلافات الماضي وأزماته المتكررة.هذه النسخة أكثر صرامة في النقد السياسي، مع الحفاظ على كونها مقال رأي وتحليل سياسي.




