
محمد حسين
أزمة السودان في مرحلة التأسيس تحدياً تاريخياً يتمثل في حسم العلاقة بين الدين والدولة فلعقود طويلة استغلت تيارات الكيزان و الجماعات المتطرفة العاطفة الدينية للشعب السوداني وحولت الدين من قيمة اخلاقية سامية إلى اداة سياسية للتمكين والقمع وتفتيت النسيج الاجتماعي ان طرح العلمانية في هذا التوقيت هو ضرورة وجودية لاستقرار السودان .
أزمة السودان واستغلال الدين ولقد عاني السودان من الوصاية الدينية التي فرضها نظام الإخوان المسلمين حيث تم احتكار التحدث باسم السماء لتبرير الفساد واشعال الحرب الاهلية (حرب جنوب السودان وغيرها) هذا الاستغلال جعل من الدين فزاعة يلوح بها ضد كل ينادي بالحرية و المساواة مما خلق أزمة ثقة عميقة لذا فإن العلمانية في حكومة التأسيس تأتي طواعية لتحرر الدين من يد السياسيين و يحرر من قيود التمييز.
ماهي مفاهيم العلمانية من الإقصاء إلى التعددية
لكى نفهم الخيار الأمثل للسودان يجب أن ننظر في كيفية تطبيق العالم لهذا المفهوم فالعلمانية ليست قالباً جامداً :
– العلمانية الفرنسية الصارمة هي نموذج يقوم على الفصل الحاد وإبعاد الدين تماما عن الحيز العام و المؤسسات التعليمية هذا النموذج إقصائي بطبعه تجاه المظاهر الدينية وهو نموذج ناتج عن صراع تاريخي مرير مع الكنيسة وقد لا يتناسب مع طبيعة المجتمع السوداني المتدين بطبعه .
– العلمانية الليبرالية النموذج الأمريكي وهي تقوم على الجدار الفاصل ولكن مع حماية مطلقة لحرية الممارسة الدينية الدولة لا تتبنى ديناً لكنها لا تحارب التدين في حياد السلطة وحرية الفرد عندما يتولى رئيس جديد السلطة يؤدي بالإنجيل اليمين الدستوري
–
– العلمانية التركية السيطرة والإشراف وهي نموذج فريد حاولت فيه الدولة تنظيم الدين وإخضاعه لرقابة المؤسسات الرسمية لضمان عدم استغلاله سياسيا ضد مبادئ الجمهورية وهي تجربة مرت بتحولات كبرى بين التشدد والمرونة.
– العلمانية التعددية النموذج الهندي هي تعد من أقرب النماذج تعقيدا لمشابهة الواقع السوداني فهي تقوم على المسافة المتساوية من جميع الأديان الدولة هنا لا تتجاهل الأديان بل تحتفي بتنوعها وتضمن لكل صاحب معتقد حقه في الوجود دون تمييز.
! العلمانية المرنة خيار السودان المثالي أن العلمانية التي يطرحها اتفاق حكومة التأسيس ( بالتوافق مع الحركة الشعبية والقوى الحية) هي علمانية المواطنة المرنة وهي تختلف تماما عن النموذج الفرنسي الإقصائي و تتميز بالاتي :
1 . دولة للجميع تقف الدولة على مسافة واحدة من المسلم والمسيحي و صاحب المعتقدات الأخرى الحقوق تمنح بناء على المواطنة وليس الانتماء الديني
2. حماية الدين بتطبيق العلمانية نغلق الباب أمام تجار الدين من الكيزان الذين شوهوا صورة الإسلام ونعيد للدين قدسيته بعيدا عن صراعات الكراسي
3. المرونة الثقافية هي علمانية تحترم ارث المجتمع وتعدد أعراقه من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب دون فرض هوية احادية قسرية .
آن علمانية التأسيس هي العقد الاجتماعي الذي يضمن للسودانيين العيش بسلام هي ليست حربا على الإسلام كما يروج المتطرفون هي ضمانة لكي لا يظلم أحد باسم الدين مرة أخرى أنها الطريق الوحيد لنهضة سودانية تقوم على العلم العدالة والمساواة حيث يكون الوطن هو المظلة التي تسع الجميع.




