
التنوير حديث التنوير
يستعيد السودانيون في السادس من أبريل واحدة من أبرز محطات تاريخهم السياسي، يومٌ ارتبط في الذاكرة الوطنية بإرادة الجماهير وقدرتها على إحداث التحولات الكبرى، كلما بلغت الأزمات ذروتها وتعاظمت التحديات.
ففي مثل هذا اليوم من عام 1985، خرجت الجماهير إلى الشوارع لتعلن نهاية حقبة استبدادية، مؤكدة أن صوت الشعب قادر على تغيير مسار التاريخ. وبعد أكثر من ثلاثة عقود، تجدد المشهد في 6 أبريل 2019، حين احتشد السودانيون أمام القيادة العامة في لحظة وصفت بأنها من أعظم صور التلاحم الوطني، رافعين شعارات الحرية والسلام والعدالة.
ويمثل هذا التاريخ، في وجدان السودانيين، أكثر من مجرد ذكرى؛ إذ يعكس طبيعة العلاقة المتوترة بين السلطة والمجتمع عبر سنوات طويلة، حيث تتجدد في كل مرحلة قدرة الشعب على كسر الجمود وفرض لحظة تغيير تعيد طرح سؤال الدولة المنشودة.
غير أن التجربة السودانية أظهرت أن إسقاط الأنظمة، رغم أهميته، لا يكفي وحده لبناء دولة مستقرة، ما لم تُدار المراحل الانتقالية برؤية وطنية جامعة قادرة على استيعاب التنوع ومعالجة الخلافات السياسية.
ومع تطورات الأحداث في السنوات الأخيرة، دخلت البلاد في أزمات متلاحقة انتهت بالحرب الدائرة، التي خلفت آثارًا إنسانية بالغة القسوة، تمثلت في نزوح الملايين، وتدمير البنى التحتية، وتفاقم معاناة المواطنين في مختلف أنحاء البلاد.
وفي ظل هذا الواقع، تعود ذكرى السادس من أبريل لتطرح دلالات جديدة، حيث يرى مراقبون أن استلهام روح الثورة اليوم يتطلب التركيز على وقف الحرب، وتغليب صوت العقل، وتهيئة الظروف لعودة المواطنين إلى مناطقهم، بدلاً من الاكتفاء بإعادة إنتاج الشعارات.
ويؤكد مهتمون بالشأن العام أن أي مشروع وطني لا يمكن أن ينجح في ظل استمرار القتال، وأن بناء الدولة المدنية الديمقراطية يظل مرهونًا بتحقيق السلام والاستقرار، وفتح الطريق أمام توافق وطني واسع.
وتظل رسالة أبريل، بحسب مراقبين، مرتبطة بقدرة السودانيين على تجاوز الأزمات، ليس فقط عبر الاحتجاج، بل من خلال إدارة اختلافاتهم وبناء توافقات تحمي البلاد من دوامة الصراعات.
وفي وقت تتزايد فيه الدعوات لوقف الحرب، يبرز السادس من أبريل كرمزية وطنية تدعو إلى إعادة ترتيب الأولويات، والانحياز لمستقبل يسوده السلام، ويستعيد فيه السودان عافيته.
ويأمل كثيرون أن تتحول دروس أبريل إلى قوة دافعة نحو إنهاء الأزمة الراهنة، وبدء مسار جديد يعيد بناء الدولة على أسس العدالة والحرية، ويؤسس لوطن يسع جميع أبنائه.




