رأي

ذكرى 6 أبريل؛ نَستهدي من دروس الماضي لنؤسس مسارات الحاضر ونُحصن المستقبل

مهدي حامد

 

مهدي حامد 

حين يكتبُ الشعب ” سِفر الخروج” من تيه الشمولية، ويصمم بجسارة على تشبيك الجهود الثورية المبذولة، ويستميت على توظيف الكتلة الحرجة، ويستبسل على نسج خيوط المواجهة الكبرى، بالتأكيد تأتي اللحظة المُفصلية التي يقرر فيها أن يكون فيها الشعب سيد نفسه ومصيره، وكما لم تكن شمس السادس من أبريل كثائر الأيام العادية في تقويم السُّودان، كلا بل كانت انفجارا كونيا للوعي الجمعي ولحظة حاسمة تجلى فيها الشارع في أبهى صور تجرده من الخوف والتوجس ليعلن أن إرادة الشعوب هي القدر الذي لا يُرد، وأن عروش الطغاة مهما تطاولت في البنيان، تظل أوهن من بيت العنكبوت أمام هدير الجموع، وإنَّنا حين نستدعي ذكرى أبريل 1985م، لا نُمارس طقسًا للحنين البارد، وإنما نستنطق التاريخ في اللحظات المصيرية، لنفهم كيف استطاع شعبٌ أعزل محاصر بالأزمات الإقتصادية والقبضة الأمنية وأن يُسقط نظامًا تبنى الماركسية مرة وتدثر بعباءة الدين تارة وبالقوة العسكرية تارة أخرى ظننا منه بأن هذه البراغماتية ستحميه في السقوط المدوي.

 

وهنا، وبهذا الخصوص والصدد، فلا يمكن قراءة تاريخ السُّودان المعاصر بمعزل عن اللحظة الفارقة التي تجسدت في السادس من أبريل عام 1985؛ فهي لم تكن مجرد “هبّة” عابرة، بل كانت “انفجارا تاريخيا” مدروسا، نتج عن تراكم الغبن السياسي والاقتصادي تحت وطأة نظام “مايو” الذي أحكم قبضته لستة عشر عاماً، وكما إن العبقرية التي أدارت بها القوى الوطنية السودانية تلك اللحظة، تمثل نموذجا يُدرس في سيكولوجية الجماهير وكيفية تحويل الإحباط الفردي إلى فعل جمعي مُنظّم أطاح بأعتى الأنظمة الأمنية.

 

بدأت الإرهاصات حينما استنفد نظام جعفر نميري كل “كرت” كان يملكه، بدءًا من التخبط الأيديولوجي، ومرورا بالانهيار الاقتصادي الحاد الذي جعل من رغيف الخبز حلما بعيد المنال، وصولاً إلى الاحتقان السياسي الناتج عن قوانين سبتمبر 1984م، وقد كان المحرك الاستراتيجي الأكبر إبان تلك الحقبة هو “الوعي النقابي” حيث برزت “تجمع النقابات” كقاطرة تقود الشارع، متجاوزةً الأطر الحزبية الضيقة إلى رحاب المصلحة الوطنية العليا، ففي أواخر مارس 1985م، كانت الشوارع تغلي “ونميري” في رحلته الشهيرة إلى واشنطن، يظن أن “أجهزته” قادرة على لجم الرياح، فلم يدرك الديكتاتور أن “العصيان المدني” الذي بدأ يتشكل في رحم المكاتب، وأزقة ورش الحدادة،وساحات الجامعات، قد تجاوز نقطة اللاعودة، وكما كان “سلاح السلمية” في تلك المرحلة كان أقوى من أي سلاح آخر، الأمر الذي جرد الآلة العسكرية من مبرر القمع العنيف ووضعها أمام اختبار أخلاقي وتاريخي عسير، مما أجبر ” سوار الدهب” الخنوع على مضض لإرادة الجماهير كاستجابة اضطرارية وقلع النظام في يوم 6 أبريل 1985م.

 

دروس وعبر وتوصيات؛إن الحكمة تقتضي أن نقول “من لا يقرأ ماضيه، لا يسلم مستقبله” وإن جراح السودان النازفة اليوم في هذه الحرب الوجودية ليست إلا نتيجة مباشرة لعدم استكمال دروس أبريل وأكتوبر وديسمبر، وكما ان التشخيص الدقيق للحالة السودانية يؤكد أن “الكيّ” هو آخر العلاج، ولكن الكيّ الحقيقي هو في استئصال شأفة الانقلابات للأبد عبر بناء مؤسسة عسكرية مهنية تخضع للإرادة المدنية، فلا يُلدغ المؤمن من جحر الانقلابات مرتين، فكيف بمن لُدغ عشرات المرات..؟

 

والدرس المستقى من أبريل هو أن “الحصانة لا تمنحها النصوص، بل يحرسها الوعي” فالدساتير الورقية تمزقها جنازير الدبابات، أما الدستور المكتوب في عقول الجماهير فهو الذي لا يقهر، وعليه يجب أن تكون هذه الحرب الحالية هي “الزلزال الذي يسبق البناء” لنؤسس لوطن يسع الجميع، حيث “لا فضل على جهة أو عرق إلا بالإنتاج والمواطنة” ولتنتهي لغة الرصاص لتبدأ لغة القانون، وعليه فإنَّ التوصية المُلحة اليوم هي أن التغيير الجذري ليس مجرد شعار، بل هو هيكلة شاملة للدولة تمنع تغول المركز على الهامش، وتجعل من التنوع قوة لا ثغرة للفتن، فإننا بحاجة إلى الإرادة الشعبية الصلبة، لنتجاوز مرارة الماضي، لنضع مدماكا أخيراً في صرح السودان المستقر، وكما يقول المثل: “الما بتعلم من التاريخ، بيبقى هو التاريخ” وكما لن يسمح السودانيون بعد اليوم أن يكونوا ضحايا لتكرار الفشل، ولنتخذ من أبريل بوصلة، ومن الحرب الحالية نقطة انطلاق نحو “الدولة المدنية الديمقراطية الفدرالية” التي لا تعرف الانقلابات، ليكون السودان وطنا آمنا مستقرا، تشرق عليه شمس الحرية دون كسوف، وتدفن فيه أحقاد الماضي تحت ركاب النهضة القادمة لا محالة، فالحق أبلج، والباطل لجلج، وإرادة الشعوب من إرادة الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!