
إيمان التجاني
في السياسة، لا شيء يكشف حقيقة السلطة أكثر من لحظات الاختبار الكبرى. وذكرى السادس من أبريل تمثل واحدة من تلك اللحظات الفاصلة التي تضع الخطاب الرسمي في مواجهة الواقع. ففي الوقت الذي تتحدث فيه السلطة عن الاحتفاء بهذه الذكرى بوصفها محطة مجيدة في تاريخ السودان، تكشف الوقائع على الأرض صورة مغايرة تماماً، حيث يُعتقل شباب لمجرد مشاركتهم في إحيائها.
هذه المفارقة ليست تفصيلاً عابراً، بل تعبير مكثف عن أزمة عميقة تعيشها السلطة القائمة. كيف يمكن لسلطة أن تمجد حدثاً تاريخياً قائمًا على الثورة ضد الاستبداد، ثم تمارس في الوقت ذاته أدوات القمع ذاتها التي ثار ضدها الناس؟ وكيف يمكن تفسير هذا التناقض الصارخ بين القول والفعل؟
ما جرى في أم درمان، من توقيف عدد من المشاركين في فعاليات السادس من أبريل، يعكس بوضوح حالة الازدواجية التي باتت سمة ملازمة لخطاب السلطة. فهي من جهة تحاول توظيف رمزية الثورة لإضفاء شرعية على نفسها، ومن جهة أخرى تخشى أي فعل جماهيري يعيد استدعاء تلك الروح التي أسقطت أنظمة سابقة.
الأخطر من ذلك أن هذا السلوك لا يكشف فقط عن تناقض سياسي، بل عن أزمة ثقة عميقة بين السلطة والمجتمع. فالثورات لا تُختزل في شعارات أو مناسبات، بل هي فعل حي ومتجدد، وأي محاولة لاحتكارها أو إعادة تعريفها وفق مصالح ضيقة، تنتهي غالباً بنتائج عكسية.
إن إحياء السادس من أبريل ليس جريمة، بل هو تذكير دائم بأن الشعوب قادرة على التغيير متى ما توفرت الإرادة. أما التعامل مع هذه الذكرى بعقلية أمنية، فإنه يعكس خوفاً من التاريخ أكثر مما يعكس حرصاً على الاستقرار.
في النهاية، تظل الحقيقة الأكثر وضوحاً أن السلطة التي تحتفي بالثورة خطابياً، بينما تقمعها عملياً، إنما تضع نفسها في مواجهة مفتوحة مع ذات القيم التي تدّعي تمثيلها. وهذا التناقض، في جوهره، ليس مجرد خلل في الممارسة، بل دليل على فقدان البوصلة السياسية والأخلاقية.
السادس من أبريل لم يكن حدثاً عابراً، ولن يكون كذلك. إنه معيار دائم يُقاس به صدق المواقف، وتُكشف عنده كل الأقنعة.




