رأي

الجنجويد بين التاريخ والشعار

نجم الدين دريسة

 

 نجم الدين دريسة

ظلّ شعار «العسكر للثكنات والجنجويد ينحل» حاضرًا بقوة في ساحات ثورة ديسمبر، ثم تحوّل مع الزمن إلى ما يشبه المسلّمة الثورية التي لا تحتمل النقاش. غير أن خطورة هذا الشعار لا تكمن في بساطته، بل في ما ينطوي عليه من خلط مفاهيمي وتزييف للتاريخ، يختزل صراعًا معقدًا في هتاف عاطفي يعفي الفاعلين الحقيقيين من المساءلة، ويشوّه الوعي العام.

للجنجويد تاريخ محدد وسياق معروف. فقد نشأوا في بدايات الألفينيات خلال حرب دارفور، كنتاج مباشر لسياسات النظام السابق، الذي اعتمد على تسليح مليشيات قبلية بإشراف من استخبارات الجيش، لمواجهة الحركات المسلحة. قاد هذه العملية رموز بارزة في المؤسسة العسكرية والأمنية ذات الخلفية الإسلامية، من أمثال عوض ابن عوف، ومحمد أحمد الدابي، وأحمد هارون، وغيرهم. هؤلاء هم الجنجويد الحقيقيون، وهم من يجب أن تطالهم المساءلة الجنائية والأخلاقية.

لكن مع مرور الوقت، جرى تعميم المصطلح بصورة اعتباطية، حتى بات يُلصق بقوات الدعم السريع، في تجاهل فجّ للاختلاف الجوهري بين الكيانين. فقوات الدعم السريع أُنشئت عام 2013 بموجب قانون، ثم أُقرّ وضعها رسميًا بقانون صادر عن البرلمان في 2017، لتعمل ضمن بنية الدولة وتحت إمرة القائد الأعلى للقوات المسلحة. ويمكن انتقاد أدائها أو بنيتها، لكن لا يمكن إنكار وجودها القانوني أو تحميل أفرادها، ومعظمهم من الشباب، جرائم سابقة على نشأتهم.

الخلط المتعمد بين الجنجويد التاريخيين وقوات الدعم السريع لا يسيء للفهم السياسي فحسب، بل يخدم هدفًا أخطر: تبرئة صانعي الجرائم الحقيقيين، وتحميل الهامش الاجتماعي وزر فظائع لم يكن صاحب قرار فيها. وهو خلط كرّسه خطاب نخبوي مركزي، اعتاد النظر إلى أبناء الأطراف باعتبارهم وقودًا للصراعات لا شركاء في الوطن.

من الحقائق التي يتم تجاوزها أيضًا أن قوات الدعم السريع انحازت مبكرًا لثورة ديسمبر، وكان لهذا الانحياز دور حاسم في إسقاط نظام البشير. هذا الموقف لم يكن تفصيلًا عابرًا، بل تعبيرًا عن تحوّل في موازين القوى، ومحاولة لكسر احتكار الإسلاميين للمؤسسة العسكرية. لاحقًا، شاركت قيادة الدعم السريع في المرحلة الانتقالية، وأسهمت في ملفات معقدة، أبرزها السلام واتفاق جوبا.

بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021، تكشّف بوضوح أن الانقلاب يُدار من داخل بنية إسلامية متغلغلة في الجيش. هنا، تراجعت قوات الدعم السريع عن دعمها للانقلاب، وقدّمت اعتذارًا للشعب، وأعلنت تأييدها للاتفاق الإطاري، الذي نص صراحة على عودة كل العسكر إلى الثكنات، وخروجهم من السياسة والاقتصاد.

اندلاع حرب 15 أبريل 2023 لم يكن صراعًا عسكريًا تقليديًا، بل محاولة لإجهاض مسار التحول المدني، وتصفية القوة التي رآها الإسلاميون عقبة أمام عودتهم الكاملة إلى السلطة. وكانت النتيجة كارثة وطنية دفع ثمنها الشعب السوداني دمًا وتشريدًا ودمارًا.

إن استمرار ترديد شعار «الجنجويد ينحل» اليوم لا يعكس وعيًا ثوريًا، بل يعيد إنتاج وعي زائف. فالجنجويد ككيان تاريخي انتهوا، وما تبقى هو دولة فشلت في محاسبة من صنعهم واستخدمهم. المعركة الحقيقية ليست بين «عسكر» و«جنجويد»، بل بين مشروع دولة إقصائية ومجتمعات تطالب بالعدالة والمواطنة.

العسكر، نعم، إلى الثكنات.

أما الجنجويد، فمكانهم في ملفات العدالة وكتب التاريخ، لا في شعارات جوفاء تُضلل الوعي وتخدم أعداء الثورة أكثر مما تخدمها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!