
سوما المغربي
في السودان اليوم، لا نستطيع أن نخفي النوايا خلف ستار اللغة، ولا أن نجمَّل الوقائع بمفردات مخففة، فالدعوة إلى “القوة المميتة” خرجت صريحة، ترددت على لسان حاج ماجد سوار، وسبقها إليها عبد الفتاح البرهان، ورددها قادة في دائرته العسكرية، بينهم ياسر العطا. هذا التكرار ليس صدفة، بل إيقاع ثابت لعقيدة ترى في البطش وسيلة بقاء، وفي الإفناء خيارًا مشروعًا.
ما جرى على الأرض لم يتوقف عند حدود القول. العالم تابع، ووقف طويلًا أمام تقارير تتحدث عن استخدام أسلحة كيماوية، بوصفها حقيقة تتطلب التحقيق والمساءلة، هي حقيقة ليست مجرد مادة للجدل. كانت تلك اللحظة فاصلة، حين تحول السلاح المحرّم إلى أداة في صراع داخلي، واصبحت الحرب إعلانًا مفتوحًا ضد الإنسان نفسه، لا ضد خصمٍ بعينه.
في ميزان هذه السلطة، لا يحتل المواطن موقعًا يُذكر، بل يُزاح إلى الهامش، بينما تتقدم معركة البقاء في الحكم إلى الواجهة. تُسخَّر الإمكانيات، وتُستدعى أقسى وسائل القتل، لا لحماية البلاد، بل لحماية كرسيٍ يتآكل من الداخل، هنا، تُختزل الدولة في سلطة، وتُختزل السلطة في خوفٍ دائم من السقوط.
والأخطر أن هذه الدعوات لم تعد مجرد خطابٍ متكرر، بل واقعٌ جرى تطبيقه أمام أعين العالم. ما وُصف بـ“القوة المميتة” لم يبقَ في حدود التصريحات، بل تجسّد في استخدام أسلحة كيماوية، رأى العالم آثارها وتوقف عندها بوصفها دليلًا على انحدار غير مسبوق. في هذا السياق، يصبح المواطن أرخص من ذرة تراب، بينما تُصان سلطة الإسلاميين بأغلى أدوات الفتك، في مفارقة تكشف خللًا عميقًا في تعريف الدولة لواجبها ومعنى وجودها.
الصورة تزداد وضوحًا عند المقارنة. في الولايات المتحدة، لا يُترك الجندي لمصيره. تتحرك المؤسسات لإنقاذ فرد واحد، لأن قيمة الإنسان هناك جزء من تعريف الدولة لنفسها. وقد يمنح ذلك قادتها، مثل دونالد ترامب، مساحة للفخر السياسي، لكنه في جوهره انعكاس لتقاليد راسخة في إدارة القوة وتحديد غاياتها. وفي إثيوبيا، حاول آبي أحمد، رغم تعقيدات الواقع، أن يفتح بابًا نحو التهدئة، إدراكًا أن استمرار الحرب يهدد بقاء الدولة قبل أي شيء آخر.
أما في السودان، فالمشهد مختلف على نحوٍ مؤلم. خطاب واثق يصدر من القمة، بينما القاعدة تغرق في الخراب والموت. مدن تتآكل، وأرواح تُستنزف، ومجتمع يُدفع إلى حافة الانهيار، دون أن يظهر في الأفق ما يشير إلى مراجعة أو حتى اعتراف بحجم الكارثة.
الفارق لا يُقاس بما تملكه الدول من سلاح، بل بما تحمله من معنى، هناك جيوش تُبنى على فكرة الحماية، وأخرى تُستنزف في صراعات السلطة حتى تفقد وظيفتها، هناك دول ترى في الإنسان غايتها، وأخرى تراه وسيلة.
حين تصبح “القوة المميتة” لغة رسمية، لا يبقى السؤال عن حدود الحرب، بل عن حدود السقوط نفسه، لأن الدولة التي تجعل من الموت عقيدة، لا تترك لشعبها خياراً سوى البحث عن حياة خارجها، أو انتظار نهايةٍ تعرف طريقها جيدًا.
سوما المغربي
أبريل ٢٠٢٦




