رأي

أصوات النشاز في “دلقو”: هل تعيد بذور “الانتباهة” إنتاج مأساة انفصال جديدة؟

عماد جدو

 

عماد جدو 

​بينما يضمد السودان جراحه النازفة جراء حرب عبثية شردت الملايين، أطلّت من محلية “دلقو” بالولاية الشمالية برأسها فتنة جديدة، تُعيد إلى الأذهان أسوأ حقب الخطاب العنصري الذي مزق البلاد من قبل. احتجاجات “ممنهجة” ضد وجود النازحين في “معسكر العياض”، لم تكن مجرد تعبير عن ضيق موارد، بل بدت وكأنها صدى مخيف لأطروحات “منبر السلام العادل” وصحيفة “الانتباهة” التي مهدت لانفصال الجنوب بشعار “لا يشبهوننا”.

​تُشير المعطيات الميدانية إلى أن إنشاء “معسكر العياط كما يصفه البعض) لم يأتِ ضمن سياق إنساني بحت تشرف عليه المنظمات الدولية، بل نتاج تحركات سياسية بتمويل من بعض رجال الأعمال، ومنهم رجل الأعمال أزهري.

​المفارقة الصادمة ظهرت في تفنيد الرواية الرسمية؛ فبينما رُوج بأن النازحين فروا من جحيم الفاشر سيراً على الأقدام، كشفت استطلاعات إعلامية (منها ما بثته قناة الجزيرة) أن الغالبية العظمى من قاطني المعسكر -خاصة النساء والأطفال- تم تجميعهم من الخرطوم، بورتسودان، وولاية نهر النيل. هذا التناقض يضع علامات استفهام كبرى حول الهدف من حشد مكونات اجتماعية محددة في منطقة “دلقو”، وهل يراد بذلك ترسيخ بروباغندا سياسية مفادها أن المواطنين يفرون فقط نحو مناطق سيطرة الجيش، حتى لو تطلب ذلك “شحنهم” من ولايات آمنة؟

 

​ما يحدث في دلقو اليوم ليس وليد الصدفة، بل هو استنساخ لخطاب الحركة الإسلامية و”الدواعش” الذين رأوا في التنوع السوداني مهدداً لمشروعهم الإقصائي. لقد نجحت تلك الجماعات سابقاً في إجهاض “الوحدة الجاذبة” عبر خطاب الكراهية الذي قاده الطيب مصطفى، وسط حالة من “اللامبالاة” المحيرة من النخب السياسية السودانية التي صمتت عن تلك الطروحات حتى ضاع الجنوب.

​اليوم، يعود ذات السيناريو؛ أصوات تنادي بـ “تطهير” الإقليم الشمالي ممن لا يشبهونهم في العادات والتقاليد، متناسين أن السودان وطن يسع الجميع بالدستور وبالتاريخ.

​من الناحية القانونية والإنسانية، هناك فارق جوهري تغافلت عنه “لجنة الاحتجاج”:

​النازح مواطن أصيل: له الحق الدستوري في الإقامة والاستقرار في أي بقعة من أرض الوطن.السودان

​المجتمع المضيف: في الأعراف الدولية، تقوم المنظمات عند إنشاء المعسكرات بتقديم خدمات (صحة، تعليم، مياه) يستفيد منها النازح والمواطن المحلي معاً، وهو ما غاب عن تجربة دلقو المسيسة.

​”السودانيون الذين لجأوا إلى دول الجوار (مصر، إثيوبيا، تشاد، وجنوب السودان ويوغندا ورواندا ودول الخليج) وجدوا الترحيب، ولم تخرج مسيرة واحدة في تلك الدول تطالب بطردهم، فكيف يُطرد السوداني من أرضه في دلقو؟

​إن صمت الأجهزة الرسمية في محلية دلقو -من شرطة ونيابة ومدير تنفيذي- عن هذه المسيرات العنصرية يضعهم في خانة “المتواطئين”. إن السماح بخطاب الكراهية تحت لافتة “المطالب الشعبية” هو خيانة لوحدة ما تبقى من السودان.

إن ما جرى في دلقو هو “إشعال فتنة” متعمد من قبل فلول النظام البائد لإشغال المجتمع بصراعات بينية. إن دماء “الثور الأبيض” التي أُريقت بانفصال الجنوب يجب أن تكون درساً؛ فالسكوت عن عنصريي اليوم هو توقيع بالبصمة على وثيقة تمزيق السودان القادمة. يجب تقديم القائمين على هذه الاحتجاجات لمحاكمات عاجلة، وفضح أسماء المتواطئين في أجهزة الدولة، فالوضع الراهن لا يحتمل ترف الصمت أو المجاملة على حساب وحدة التراب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!