رأي

العشائرية… العقل الذي يهدم الدولة

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة

لا يمكن أن تبنى دولة حديثة بعقلٍ يعيش في خيمة الماضي

مواصلةً لما طرحناه في مقالاتنا السابقة حول أزمة العقل العشائري، نعود اليوم إلى هذه الإشكالية بوصفها لبّ الأزمة السودانية وجذر اختلالها التاريخي. فالعشائرية ليست مجرد بقايا من الماضي، بل هي بنية ذهنية متماسكة، تعيد إنتاج نفسها داخل السياسة والمجتمع، وتُبقي الدولة رهينة لمنطق الانتماء الضيق.

لقد حاولنا في مقالاتنا السابقة تفكيك هذا العقل، وبيان علاقته بالعصبية، وبالأنماط الرعوية التي تحدث عنها الدكتور النور حمد، لكن التحدي اليوم يتطلب الذهاب أبعد: نحو توصيف هذا العقل باعتباره عقلًا انكفائيًا، مغلقًا، لا يرى العالم إلا من خلال دوائر ضيقة من الولاء.

العشائرية في جوهرها تعبير عن عقل انكفائي، ينزع دائمًا إلى الاحتماء بالجماعة، ويُعيد ترتيب العالم وفق دوائر متداخلة من الانتماء: أنا وأخي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على القريب. هذه ليست مجرد مقولة شعبية، بل فلسفة حكم كاملة. في هذا النسق، لا وجود لمفهوم ثابت للحق أو العدالة، بل تتغير المعايير بحسب موقع الفرد داخل شبكة العلاقات. من هو “داخل” الدائرة يُحمى، ومن هو “خارجها” يُقصى أو يُستهدف. وهنا يتحول المجتمع إلى ساحة تحالفات متغيرة، لا إلى فضاء وطني جامع.

حين تعجز الدولة عن ترسيخ مؤسساتها، تتقدم العشيرة لتملأ الفراغ، لكنها لا تفعل ذلك بمنطق الدولة، بل بمنطق الحماية والانتماء. وهكذا تتحول السلطة إلى شبكة ولاءات تُدار عبر العلاقات لا عبر القوانين. في هذه الحالة، لا تعود الدولة كيانًا محايدًا، بل تصبح امتدادًا للعشائر، وتفقد قدرتها على تمثيل الجميع، وهنا يبدأ الانهيار البطيء لفكرة الوطن.

الدولة الحديثة تقوم على مبدأ المواطنة، أي أن الفرد يُعامل بصفته مواطنًا، لا بصفته ابن قبيلة. لكن في ظل العشائرية، يُعاد تعريف المواطنة لتصبح امتيازًا، لا حقًا. كيف يمكن أن نتحدث عن مساواة، بينما الحقوق تُوزع وفق القرب والبعد من الجماعة؟ وكيف يمكن أن نؤسس لدولة قانون، بينما القانون نفسه يُخضع لمنطق الولاء؟ هذا التناقض يجعل مشروع الدولة الحديثة مجرد شعار بلا مضمون فعلي.

لقد دخلت الحداثة إلى السودان، لكنها لم تدخل إلى العقل. تغيرت الأشكال، لكن الجوهر ظل كما هو. صرنا نمتلك مؤسسات حديثة تُدار بعقل تقليدي، ونرفع شعارات ديمقراطية تُمارس بأدوات عشائرية. وهكذا تحولت الحداثة إلى قشرة سطحية، لا إلى تحول عميق، وصارت الدولة مسرحًا للأدوار لا مؤسسة للحكم.

في ظل هذا العقل، يُلغى الفرد لصالح الجماعة، فلا قيمة للفكر أو الكفاءة خارج إطار الانتماء. وحين يحاول الفرد أن يُفكر بحرية، يُتهم بالخروج عن الصف. هذا المناخ يُنتج مجتمعًا يفتقر إلى النقد، ويخاف من الاختلاف، ويعيد إنتاج نفسه دون مراجعة، مما يجعل التحول الديمقراطي شبه مستحيل.

يعيش المجتمع السوداني حالة من الازدواجية الحادة: يتبنى قيمًا حديثة في الخطاب، لكنه يمارس سلوكًا تقليديًا في الواقع. يتحدث عن الدولة، لكنه يعود إلى العشيرة عند أول اختبار. هذه الازدواجية تُفرغ كل المشاريع الإصلاحية من مضمونها، وتجعل أي تحول حقيقي أمرًا بالغ الصعوبة.

إن بناء الدولة الحديثة لا يمكن أن يتم عبر التوفيق بين منطقين متناقضين. فالعشائرية، بطبيعتها، تقوم على الإقصاء، بينما تقوم الدولة على الشمول. لذلك، فإن أي مشروع وطني جاد يجب أن يبدأ بقطيعة واضحة مع العشائرية، لا بوصفها تراثًا اجتماعيًا، بل بوصفها نمطًا سياسيًا يجب تجاوزه. فالدولة لا تُبنى إلا بقطيعة كاملة مع أنماط التفكير الضيقة التي تعيد إنتاج الانقسام وتُقوّض فكرة المواطنة.

هذه القطيعة لا تعني إنكار الجذور، بل تعني تحريرها من الاستخدام السياسي، وإعادة توجيهها نحو الفضاء الاجتماعي والثقافي. يمكن للعشيرة أن تبقى كإطار اجتماعي، لكنها لا يجب أن تكون مرجعية للحكم أو معيارًا للشرعية.

إن الخروج من مأزق العشائرية يتطلب إعادة بناء العقل، لا مجرد تغيير الأنظمة. يتطلب ترسيخ قيم المواطنة، وتعزيز التفكير النقدي، وفتح المجال أمام قوى جديدة قادرة على تجاوز إرث العصبية. كما يتطلب شجاعة في مواجهة البنى التقليدية، وعدم الخضوع لمنطق الإرضاء العشائري الذي يعطل كل محاولة للإصلاح.

في النهاية، تبقى الحقيقة واضحة: لا يمكن بناء وطن بعقلٍ يرى نفسه في مرآة القبيلة فقط. إن معركة السودان الحقيقية هي معركة وعي، قبل أن تكون معركة سلطة. ومن دون هذا التحول، ستظل الدولة حلمًا مؤجلًا، مهما تغيرت الوجوه والشعارات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!