
د.احمد التجاني سيد أحمد
ahmedsidahmed.contacts@gmail.com
«استعادة الدولة لا تكون بإعادة إنتاج سلطتها، بل بتفكيك الأسس التي شوّهتها»
طال حكم العسكر المؤدلج، حتى لم يعد الخلل يُرى كاستثناء، بل صار هو القاعدة. تآكلت المعاني، واختلطت الرتب، ولم يعد واضحًا أين تنتهي المؤسسة وأين تبدأ الأيديولوجيا.
حين نشأنا، كنا نلعب “العسكري البطل”. لم يكن في أذهاننا أي لبس. كان العسكري هو ذلك الذي يقف في قمة الهرم، يحمل قلم التوقيع، ويجسد الدولة في صورتها الأكثر انضباطًا.
كنا نقرأ أن النظم الحقيقية لا تستثني أحدًا. في التجربة البريطانية، لم يكن غريبًا أن يُهزم أمير في لعبة أو يخضع لتقييم عادي. وفي تجارب عربية مبكرة، كان الملك يظهر كجندي ضمن الصفوف، في إشارة إلى أن النظام أعلى من الأفراد.
لكن هذا التوازن لم يصمد.
تدريجيًا، بدأت الاستثناءات تتكاثر، وظهر أبناء النخب داخل المؤسسة العسكرية بوضع خاص، وصار لكل فرد قياسه المنفرد.
ومع ذلك، كانت النتيجة دائمًا واحدة: هو المتقدم في الدفعة، وهو الأذكى، وهو الذي تُقاس عليه بقية المقاييس.
وهنا حدث الانقلاب الحقيقي: لم تعد الجندية قائمة على الجدارة، بل على صناعة التفوق.
تحول الخوف من الخطأ إلى قيمة مركزية، وصار التميز تمايزًا مدروسًا.
ومع اكتمال التأدلج، فقدت الرتب معناها، وأصبحت أدوات داخل شبكة من الولاءات.
في هذه اللحظة، لم تعد الدولة تُدار بالقانون، بل بالتوازنات، وتحولت المؤسسة إلى شبكة، والدولة إلى واجهة.
في السودان، تجلى هذا الخلل في انفجار الصراع، حيث فقدت المؤسسة قدرتها على أن تكون إطارًا جامعًا.
إعادة التأسيس تبدأ بإعادة بناء المعيار، لأن الدولة لا تُختطف حين تُهزم، بل حين تفقد تعريف نفسها
د. أحمد التيجاني سيد أحمد
قيادي وعضو موسس في تحالف تاسيس
التاريخ: 8 أبريل 2026 – روما، إيطاليا
ahmedsidahmed.contacts@gmail.com




