الإبداع في مواجهة الوصاية: تفكيك جدلية “الفن والسياسة” في الفضاء السوداني
مليح يعقوب حماد شاعر وملحن سوداني

مليح يعقوب حماد
شاعر وملحن سوداني
يُعتبر الانفصالُ المتخيَّل بين الفن والسياسة في الفضاء الثقافي السوداني قصوراً في إدراك النخبة السياسية -حاكمةً ومعارضةً- التي تدعو إلى فك الارتباط بين الظاهرتين. فالسياسة في جوهرها تمثًل صراع إجرائي على السلطة، و فعل “تأسيسي” يشترك مع الفن في تشكيل الوعي وإعادة صياغة الواقع. إن محاولات تدجين المبدع وعزله عن الفعل السياسي بحجة الحفاظ على “نقاوة الإبداع” تتجاهل أن السياسة ارتبطت تاريخياً بلفظ “الفن” في التراث الفلسفي العالمي؛ وهو اعتراف ضمني يجعل مشاركة الفنان في الشأن العام استحقاقاً وجودياً، تمليه عليه طبيعة الإبداع كأداة لتفكيك المركزيات الشمولية.
أولاً: السياسة بوصفها “فناً”.. تأصيل فلسفي
إن المتتبع لتعريفات السياسة يجد أن كلمة “فن” هي القاسم المشترك في المناهج البحثية الكلاسيكية والحديثة؛ فهي في أسمى صورها “هندسة” لإيقاع المجتمع:
أرسطو: اعتبر السياسة “فن إدارة المدينة”، حيث تلتقي الغاية السياسية بالغاية الأخلاقية لتحقيق “الخير الأسمى”.
نيقولا ميكافيلي: وصفها بأنها “فن الممكن”، مما يحول السياسي إلى “فاعل إبداعي” يمتلك مهارة الأداء التكتيكي داخل الفراغات المتاحة.
عبد الوهاب المسيري: قدم بعداً معرفياً بوصفها “عملية توزيع القيم والقوى”، وهو تعريف يتقاطع بنيوياً مع الفن؛ لكونهما القناتين الأساسيتين لإعادة صياغة الوجدان وتوزيع الثقل القيمي داخل النسيج الاجتماعي.
ثانياً: الارتباط البنيوي (النحت الاجتماعي وجماليات المقاومة)
يتجاوز الارتباط بين الفن والسياسة حدود التشبيه البلاغي ليدخل في “الماهية”؛ فالسياسة في أصلها “نحت اجتماعي”. فكما يتعامل الفنان مع المادة الخام، يتعامل السياسي مع الكتلة البشرية محاولاً صياغتها عبر القوانين والدساتير. وبما أن الفعل السياسي يتطلب “خيالاً”، فإن الفنان يصبح هو المزوّد الحقيقي للسياسة بلغتها الرمزية وقدرتها على النفاذ إلى اللاشعور الجمعي. وفي السياق السوداني، تعتبر الجداريات والأناشيد زينة بصرية، و “فعلاً بنيوياً” كسر احتكار السلطة للمجال العام، وفكك “ثقافة القبح” عبر جماليات المقاومة.
ثالثاً: واقع التبعية والوصاية الأبوية
تتبدى إشكالية العلاقة بين المبدع والمنظومة الإدارية (سواء كانت إعلامية أو تنفيذية) في صورة “ارتهان بنيوي”؛ حيث تُمارس على المبدع “وصاية أبوية” تسعى لاختزال فاعليته في أطر ترفيهية انصرافية. إن دعوات “التفرغ للفن” تمثل استراتيجية لعزل الفنان عن دوره الريادي كـ “ضمير نقدي”، وتحويله إلى عنصر “تكميلي” في ماكينة الإعلام الرسمي.
هذا النمط من “الاغتراب الإبداعي” يؤدي إلى استلاب جهود المبدعين وتوظيفها لتشييد مناصب ومكاسب للوسطاء الإداريين، بينما يُعامل المبدع كـ “متلقٍ للمنح” لا كصاحب استحقاق سيادي. إن العقلية التي تعتبر دعم الثقافة “هبة” تعكس جهلاً بالتراتبية الحضارية؛ فالمسؤول التنظيمي هو في الأصل “خادم إداري” وظيفته تسهيل تدفق الوعي الذي ينتجه المبدع، لا الوصاية عليه.
رابعاً: مأزق الشتات الأيديولوجي وانتزاع الحقوق
تتخذ العلاقة بين المبدع والسلطة طابعاً جدلياً معقداً، حيث يبرز مأزق المبدع السوداني في أن الانتماءات الأيديولوجية الحادة أدت إلى تفتيت الكتلة الإبداعية. هذا التشظي أضعف “الموقف التفاوضي” للمبدعين، وحوّل الإبداع من “سلطة معرفية” تقود التغيير، إلى “مادة خام” يسهل توظيفها لتجميل واجهات التنظيمات الضيقة. إن المبدع الذي يرهن أدواته لأيديولوجيا محددة يفقد القدرة على قيادة “الصراع الثقافي” الشامل، ويستسلم لـ “أبوية” السلطة التي تمنح وتمنع وفقاً للولاء.
الخاتمة
إن الفصل بين الفن والسياسة هو فصل زائف، والارتهان للأيديولوجيا أو القبول بالوصاية الأبوية هو انتحار إبداعي. عندما يتحد المبدعون السودانيون وراء رؤية وطنية شاملة لانتزاع حقوقهم كاستحقاق سيادي لا يقبل التجزئة، سيمتلكون القدرة على إعادة صياغة السياسة كفعل حضاري يجمع بين الحق والجمال والعدل، وتفكيك بنى التبعية التي استنفدت طاقات الإبداع السوداني لعقود طويلة.




