
مهدي حامد
“نقد الذات” غربة مثقف البادية والريف القروي عن واقعه، وكيف يوظف عودته الإضطرارية بسبب الحرب لصالح مجتمعه
حين يئنُّ ليل البادية أو عندما تهب ريحة الدُعاش في القرية ويصمت أهالي تلك البقاع الطيبة التي لا تنام إلا على صوت الطبيعة وفطرة التكافل، وحينما تسيل دموع عيون الأمهات من دخان “اللدّايات” في تلك البلاد المنسية، يسافر الخيالُ نحو ذلك الابن الذي صار “دكتورًا” أو “مهندسًا” أو “سياسيًا” في المركز، فلا يدرك هؤلاء البُسطاء أن المسافة بين طموحهم وبين ما حققه ابنهم لم تعد تُقاس بالكيلومرات، وإنما بالفجوات الوجدانية التي صنعها التعالي المدني، والحقيقة المرة التي يجب أن نواجهها هي أننا استنزفنا “ضروع” البادية وبعنا محصول “فول القرية” لنسقي شجرة “الأفندية” في غابات الإسمنت، ثم بخل هؤلاء النخبة بظل تلك الشجرة على من سقاها.
فـ تكمن العلة الأساسية في أن “المثقف” السُّوداني الخارج من رحم الريف القروي أو البادية السائرة، بوقوعه في فخ “الاستلاب الحضري” فقد اعتبر أن التعليم هو تذكرة عبور بلا عودة من واقع “الزراعة التقليدية” أو”الراعي البدائي” إلى رفاهية “للأفندي” في المركز، وبذلك قد تحولت الجامعات من محاضن لتطوير المجتمعات إلى مصانع لإنتاج مغتربين داخل وطنهم، هذا المثقف، الذي سُددت رسوم دراسته من بيع “منقة جبل مرة” ومن مراح الغنم، أو قنطار من الصمغ العربي، أو “تيراب” ذُخر الموسم، انتهى به المطاف ليبني “برجًا عاجيًا” في المركز أو في عواصم الشتات، ولا يعود لأهله إلا “زائرًا” بملابس نظيفة وعطور باريسية في الأعياد، ليوزع الابتسامات والمجاملات الإجتماعية والوعود بالعودة في زواج فلانة أو وفاة علان، بينما يظل بئر الماء في قريته معطلاً، وطرق الزراعة كما تركها أجداده قبل قرون، أو بهائم أسرته في تناقص وتلم بها الأمراض، وللأسف فقد انفصل العلم عن العمل، والحداثة عن الموروث، فأصبحنا نملك عقولًا في ناطحات السحاب وأقدامًا تحت الأرض التي أنبتتها.
ومع ذلك، فلا مجال ولا رغبة لديه لراحة تلك اليد الخشنة التي امتدت بالمال، وهي يد الأب الذي باع أغلى “سعية” لديه، أو الأم التي رهنت “فدكها” ليدفع ابنها مصاريف الكلية، فيا هذا أن هؤلاء لم يكونوا يستثمرون في “موظف” يلبس الكرافتة ويسكن “الخرطوم شرق” بل كانوا يستثمرون في “منقذ” يعيد صياغة واقعهم، وكما إن الوفاء الحقيقي لا يكون ببناء الفلل الفاخرة في المركز بينما يسكن الأهل في “القطاطي” المتهالكة ورواكيب الظل ذي ثلاثة شِعب ، وانما الوفاء هو “إعمار البادية بالمعاني قبل المباني” حيث إن العلم الذي لا يغير طريقة الزراعة في “مشاريع أم عجاجة أو ساق النعام” ولا يطور سُبل الرعي في “بطانة الإبل” ومسارات مراحيل الأبقار هو علم أجوف، وإن أهلنا لا يريدون منا صدقة، بل يريدون “توطين الحداثة” في بيئتهم، ويريدون أن يروا كيف يمكن لهندسة الري أن تجعل “وادي هور” “ووداي باري” جنة، وأن نجعل الطب أن يقضي على الملاريا، وعليه أن التحدي الحقيقي هو كيف ننقل “المدينة” إلى “القرية أو الدامرة” في قيمها وتنظيمها، لا أن نهجر القرية لنذوب في ضجيج المدينة.
والمؤلم حقًا هو العودة للأهل في الأعياد والمناسبات الاجتماعية كضيوف شرف وهي جريمة في حق التنمية، يجب أن نعود كمشاركين، وكعقول تدبر، وكأيدٍ تبني، وان ننقل حياة الأهل من الضنك إلى الرفاه عبر “تبيئة” العلوم وتطوير الموروثات وهو الواجب المقدس، وعلينا أن نمزج حكمة “الشيخ” في البادية والقرية بخبرة “إدارة الأزمات” في المدينة، لنخلق نموذجا سودانيا فريدا يجمع بين الأصالة والمعاصرة.
وواجبنا اليوم، وفي ظل هذه الظروف القاسية التي فرضتها الحرب، فقد حدثت “العودة الاضطرارية” ووجد المثقف نفسه وجهًا لوجه مع قريته أو باديته التي غادرها طويلاً، فهذه العودة، رغم ألمها، هي الفرصة التاريخية “للتكفير” عن ذنب الغياب الطويل، إنها اللحظة التي يجب فيها تحويل “اللابتوب” و”المعرفة الأكاديمية” إلى ورش عمل لتدوير الموارد، وتطوير وتنظيم تعاونيات “النفيير” في الإنتاجية بالآليات الحديثة، وكما علينا أن نعمر “البوادي والقرى” بالمعاني أولا وأن نُشعر الأهل بأننا “منهم وإليهم” وأن شهاداتنا ليست جدران عازلة، بل هي جسور متينة نعبر بها نحو مستقبل أفضل.
وكما ان تعمير القرية والبادية لا يعني فقط رصف الطرق أو بناء المدارس من الطوب والأسمنت، بل يعني غرس “المدنية” في السلوك اليومي مع الحفاظ على “أصالة” الموروث وإن العبرة والوعظ يكمنان في أن “الفرع الذي ينكر أصله يجف” وقد جفت نخبنا حينما اعتقدت أن التطور هو محاكاة للأجانب، ونسيت أن التطوير الحقيقي هو “هندسة الواقع” بما يتوافق مع إنساننا السوداني البسيط، حيث إن أهلك الذين باعوا “ناقتهم أو أطنان فولهم” لتدخل أنت كلية الطب أو الهندسة أو القانون والعلوم السياسية، فينتظرون منك تطبيق هذه العلوم على واقعهم ومعاشهم، فيا أيها المثقف العائد بوجع الحرب أو الحنين، اجعل من هذه العودة “نهضة” واستثمر في العقول قبل المباني، علّم الشباب في الحِلّة كيف يسوقون منتجاتهم، وكيف يطالبون بحقوقهم بوعي.




