بين سيراليون والسودان: مخاوف بورتسودان من مؤتمر برلين وسيناريو السلام المفروض
عبدالله محمد ادم كمبالا

عبدالله محمد ادم كمبالا
قبل أيام قليلة من انعقاد مؤتمر برلين حول السودان، تتصاعد حدة الخطاب الرسمي الصادر عن حكومة بورتسودان المرتبطة بالحركة الإسلامية و قواتها المسلحة تجاه هذا الحدث الدولي،و لا يقتصر الموقف على مجرد تحفظ دبلوماسي، بل يتجاوزه إلى هجوم استباقي ونوع من الخوف المركب من تكرار سيناريو تاريخي، لكن مع تبدل الأدوار، ففيما قد تستحضر الأوساط المقربة من الحكومة تجربة تدخل بريطانيا في سيراليون عام (2000) لإنهاء حرب أهلية كانت قد استعصت على الحل، تخشى هذه المرة أن يكون المؤتمر الأوروبي غطاءً لفرض تسوية لا تخدم مصالحها، بل قد تهدد وجودها السياسي و العسكري.
في سيراليون كان نموذج التدخل لإنقاذ الحكومة لا قلبها في مايو 2000،حيث كانت سيراليون تعيش أزمة حادة بعد انهيار اتفاق لومي للسلام وتقدم المتمردين (الجبهة الثورية المتحدة) نحو العاصمة فريتاون. تدخلت بريطانيا عسكرياً بسرعة، ليس لفرض سلام مجرد، بل لدعم حكومة الرئيس أحمد تيجان كبه ضد المتمردين الذين رفضوا التسوية و قد كان الهدف البريطاني واضحاً: حماية المدنيين، تأمين العاصمة، و إعادة الاستقرار لصالح السلطة القائمة، وهو ما تحقق بالفعل بعد أشهر.
هذا النموذج يثير قلق حكومة بورتسودان، لأنها ترى فيه تدخلاً انتقائياً أنقذ نظاماً شرعياً معترفاً به دولياً، لكن الفارق الجوهري – من وجهة نظرها – هو أن التدخل في سيراليون جاء لصالح الحكومة، بينما في السودان، تتخوف من تدخل أوروبي ضدها، لصالح أطراف أخرى (كقوات الدعم السريع أو تحالفات مدنية كصمود و تاسيس)، وذلك بسبب الشرعية الناقصة التي تعاني منها حكومة بورتسودان نفسها.
لكن لماذا تخشى بورتسودان مؤتمر برلين؟
أولاً: شرعية ناقصة وخوف من التصنيف كطرف متمرد، فحكومة بورتسودان التي انبثقت عن انقلاب عسكري قادته الحركة الإسلامية، لم تحظ باعتراف دولي واسع، وتتعرض لانتقادات بسبب سجلها الحقوقي و سيطرتها على مؤسسات الدولة بقوة السلاح و مؤتمر برلين، إذا نجح في جمع أطراف النزاع على طاولة واحدة، فقد يساوي بينها و بين قوات الدعم السريع، أو قد يفرض عليها شروطاً تعتبرها مساساً بسيادتها. هذا التهديد بالمساواة يجعلها تشعر بأنها ستُعامل مثل المتمردين في سيراليون، وليس مثل الحكومة الشرعية.
ثانياً: خشية إعادة إنتاج نموذج السلام بالقوة
ففي سيراليون، لم ينتظر المجتمع الدولي إجماعاً داخلياً؛ بل فرض حلاً عسكرياً-سياسياً أنهى الحرب و تخشى بورتسودان أن يسعى مؤتمر برلين إلى صيغة مماثلة، لكن مع عكس الأدوار: أي فرض وقف إطلاق نار وآلية سياسية تخرج البلاد من قبضة التيار الإسلامي والجيش التقليدي، لصالح حكومة مدنية أو إدارة انتقالية تشرف عليها الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي. هذا السيناريو يهدد بإضعاف نفوذ الحركة الإسلامية التي تُشكّل العمود الفقري لحكومة بورتسودان.
ثالثاً: استباق أي حوار يخرج عن سيطرتها، فحكومة بورتسودان تفضل الحوار تحت مظلة الآليات الإقليمية (كالإيجاد)، حيث تتمتع بنفوذ أكبر، أما مؤتمر برلين، فترى فيه تحالفاً أوروبياً قد يفتح الباب أمام أطراف كانت مستبعدة (كحركات مسلحة أخرى، أو شخصيات مدنية معارضة)، مما يمنحها شرعية دولية قد تتفوق على شرعية بورتسودان الهشة.
لكن هل هذا الخوف مبرر أم مفتعل؟
من منظور واقعي، لا تزال أوروبا تفتقر إلى الإرادة السياسية لشن تدخل عسكري مباشر في السودان على غرار بريطانيا في سيراليون، لكن مؤتمر برلين يمثل أداة ضغط دبلوماسي واقتصادي و خشية بورتسودان مبررة جزئياً، لأن أي تحرك أوروبي موحّد قد يؤدي إلى:
تجميد أصول أو فرض عقوبات على قادتها و الاعتراف بسلطة موازية كحكومة سلام موقتة مع تكرار سيناريو الوساطة القسرية الذي أنهى هيمنة بعض الأطراف في نزاعات أخرى (مثل البوسنة وكوسوفو).
لكن المبالغة في مهاجمة المؤتمر قد تكون أيضاً تكتيكاً سياسياً لحشد التأييد الداخلي، وخلق حالة دفاعية بين أنصارها تحت شعار الخطر الخارجي.
و اعتقد ان مخاوف حكومة بورتسودان من مؤتمر برلين ليست مجرد رد فعل عاطفي، بل تقييم استراتيجي لخطر حقيقي:هو أن يتحول المؤتمر إلى أداة لفرض سلام من نوع جديد، لا يحمي النظام القائم، بل يعيد ترتيب المشهد السوداني كله. وإذا كان سيناريو سيراليون يختلف في التفاصيل، فإن الجوهر يظل مقلقاً لبورتسودان،لان في سيراليون، تدخل الغرب لإنقاذ حكومة تحت الحصار؛ أما في السودان، فتخشى أن يدخل الغرب لفرض حصار على شرعيتها الناقصة، وتقديم بديل لا يتسع لبقائها. علي كل حال المؤتمر المقبل قد لا يقرع طبول الحرب، لكنه بلا شك سيحدد ما إذا كانت بورتسودان ستبقى جزءاً من الحل، أم أنها ستُعتبر هي نفسها جزءاً من المشكلة.




