استراتيجيات الشيطان؛ الاستثمار في تدني وعي الهامش (3-3) استراتيجية الإضعاف التبادلي… حين يُستنزف البيت من داخله
عباس احمد السخي

عباس أحمد السخي
إذا كانت مرحلتا “فرق تسد” وإفشال المصالحة قد استهدفتا تفكيك الهامش وتشتيت وعيه، فإن المرحلة الثالثة تمثل الذروة الأكثر قسوة وخطورة: استراتيجية الإضعاف التبادلي، حيث لا يكتفي النظام بإشعال الصراع بين المختلفين، بل يدفع المكونات المتقاربة – بل وأبناء البيت الواحد – إلى الاقتتال، في عملية استنزاف متبادل تُبقي الجميع ضعفاء، وتُبقي المركز في موقع التحكم.
هذه الاستراتيجية لا تقوم على الانتصار، بل على منع أي طرف من الانتصار. إنها إدارة صراع بلا نهاية، تُستنزف فيه الطاقات البشرية والعسكرية، وتُعاد فيه صياغة التحالفات بشكل دائم، بحيث لا تتشكل كتلة صلبة قادرة على فرض معادلة جديدة. وذلك من خلال؛-
أولاً: من استنزاف الزغاوة إلى حرق الأوراق
في المرحلة التي تلت فشل رهانات “حرب الكرامة” وخطاب التعبئة الأيديولوجية، لجأت الدولة العميقة إلى توظيف مكونات بعينها، اعتبرتها الأكثر صلابة قتالية، وعلى رأسها الزغاوة، في مواجهة قوات الدعم السريع.
كان الرهان واضحًا: استنزاف هذه القوة في معارك مفتوحة، بحيث تُستهلك قدرتها العسكرية تدريجيًا، دون أن تحقق حسمًا نهائيًا. لكن هذا الرهان، كما سابقاته، انتهى إلى نتائج عكسية؛ إذ لم يؤدِّ إلا إلى تعميق الخسائر، وفتح جبهات جديدة، دون تغيير جوهري في موازين القوى. ومع سقوط الفاشر وتداعيات معارك كردفان، بدا أن هذه الورقة قد احترقت، أو على الأقل فقدت فعاليتها كأداة حسم.
ثانيًا: الانتقال إلى الداخل… تفجير البيت من أساسه
هنا، انتقلت الاستراتيجية إلى مستوى أكثر خطورة: نقل الصراع إلى داخل المكون الواحد. فلم يعد الهدف فقط إدارة التناقضات بين “عرب وزرقة”، بل تفجير التناقضات داخل ما يُفترض أنه معسكر واحد.
في هذا السياق، برزت ملامح ما يمكن تسميته بـ”المواجهة بين أبناء العمومة”، حيث جرى الدفع نحو صراع داخل البيت الرزيقي/ الجنيدي، عبر إعادة إحياء خلافات قديمة، وتغذيتها سياسيًا وإعلاميًا، لتتحول إلى مشروع مواجهة مفتوحة.
لم يكن هذا التحول عفويًا، بل نتيجة إعداد طويل، بدأت ملامحه منذ سنوات، فيما عرف بالصراع بين الدولة وموسى هلال، حيث استطاع حميدتي وقواته القبض هلال في اطار الصراع بين الجيش وموسى هلال، وهو صراع مصطنع هدفه زرع جرح عميق داخل البنية الاجتماعية، جرح لا يندمل بسهولة، ويمكن استدعاؤه في اللحظة المناسبة.
ومع تطورات المشهد، جاء انضمام موسى هلال لاحقًا، وتبعه آخرون مثل النور القبة، ليُقرأ – في هذا السياق – كجزء من إعادة تشكيل خطوط الصراع، لا كتحول فردي معزول.
ثالثًا: بورتسودان ورفض السلام… منطق الاستراتيجية لا منطق الدولة
كان من المتوقع، في منطق الدول، أن تؤدي الهزائم العسكرية المتتالية التي مُني بها الجيش امام الدعم السريع إلى مراجعة حساباته، والبحث عن مخرج سياسي. لكن ما حدث كان العكس تمامًا: إصرار على رفض الحوار، وتمسك بخيارات المواجهة، رغم كلفتها الباهظة.
هذا السلوك لا يمكن فهمه بمنطق الدولة، بل بمنطق الاستراتيجية. فالدولة العميقة لا ترى في السلام مخرجًا، بل تهديدًا؛ لأن السلام يعني إعادة ترتيب موازين القوى، وربما فتح الباب أمام مساءلة تاريخية.
لذلك، كان لا بد من استنفاد كل طبقات الصراع: من الحرب الأيديولوجية، إلى الحرب الإثنية، وصولًا إلى الحرب داخل المكون الواحد. إنها هندسة ممنهجة للفوضى، تُدار فيها المعارك لا لتحقيق نصر، بل لإطالة أمد الصراع.
رابعًا: النتيجة… الجميع خاسر، إلا من يدير اللعبة
في ظل هذه الاستراتيجية، لا يوجد منتصر حقيقي. فكل الأطراف تُستنزف، وكل المكونات تدفع الثمن، بينما تظل الجهة التي تدير الصراع – من خلف الستار – في موقع يمكنها من إعادة توزيع الأوراق كلما لزم الأمر. والأخطر من ذلك، أن هذه الاستراتيجية لا تدمر الحاضر فقط، بل تزرع ألغامًا في المستقبل، عبر تعميق الكراهية داخل المجتمعات، وتحويل الخلافات السياسية إلى جروح اجتماعية يصعب التئامها.
ختاما؛ استراتيجية الإضعاف التبادلي تمثل المرحلة الأكثر انحطاطًا في إدارة الصراع السوداني: حين يتحول الإنسان إلى أداة ضد نفسه، ويُدفع المجتمع إلى تدمير ذاته بيديه. إنها ليست مجرد سياسة، بل منهج تفكيك شامل، يستهدف الوعي قبل السلاح، والروابط قبل المواقع.
لكن، كما في كل المراحل السابقة، تحمل هذه الاستراتيجية في داخلها بذور نهايتها. فحين يصل الاستنزاف إلى حدوده القصوى، يصبح البحث عن مخرج جماعي ضرورة لا خيارًا. وحين يدرك أبناء الهامش أنهم كانوا – جميعًا – وقودًا لمعركة لا تخصهم، تبدأ لحظة الوعي… وهي اللحظة التي يخشاها من صمّم هذه الاستراتيجيات منذ البداية.




