رأي

بنك الساحل والصحراء.. حين تتحول المؤسسات المالية إلى أوكار للإرهاب

محمد تاج الدين الحلو

 

محمد تاج الدين الحلو 

في زمن تتساقط فيه الأقنعة وتتكشف الوجوه، يطل علينا بنك الساحل والصحراء للاستثمار والتجارة بقرار يثير الريبة ويدق ناقوس الخطر. فبعد أن كان هذا البنك الإقليمي رمزاً للتعاون الاقتصادي بين دول المنطقة، ها هو اليوم يتحول إلى ملاذ آمن لرموز النظام البائد وعناصر التنظيمات المصنفة إرهابياً، بتعيينه علي محمود عبد الرسول، أحد أبرز قيادات الإخوان المسلمين في السودان، في منصب قيادي داخل المؤسسة.

في رحى التنظيم.. قصة رجل من العيار الثقيل

علي محمود عبد الرسول ليس وجهاً عابراً في تاريخ السودان السياسي، بل هو أحد الأعمدة الصلبة في بنيان النظام السابق، وصاحب بصمات واضحة في مسيرة التنظيم الدولي للإخوان. بدأ الرجل مسيرته مبكراً في صفوف الحركة الإسلامية، كما اعترف هو نفسه في حوار قديم، حين كان التنظيم مطارداً في زمن النظام المايوي، ليظل وفياً لانتمائه حتى أصبح أحد القيادات التاريخية للحركة الإسلامية في السودان.

تدرج عبد الرسول في مناصب حساسة خلال حكم عمر البشير الذي امتد ثلاثين عاماً، فتولى حقيبة وزارة المالية الاتحادية في فترة عصيبة (2010-2013)، كما شغل منصب والٍ لولاية جنوب دارفور، تلك الولاية التي كانت مسرحاً لصراعات دامية شهدها العالم. لكن مسيرته لم تخلُ من شبهات الفساد، فبعد سقوط نظام البشير في ثورة أبريل المجيدة 2019، ألقت السلطات السودانية القبض عليه بتهمة “خيانة الأمانة العامة” في قضية فساد كبرى تتعلق ببيع أصول حكومية، حيث اتُهم بالتسبب في فقدان 38 مليون دولار من قيمة بيع بواخر تابعة للدولة .

الإخوان في السودان.. شهادة دولية بالإرهاب

ما يضفي بعداً مأساوياً على هذا التعيين هو تزامنه مع قرار دولي حاسم. ففي مارس 2026، أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية رسمياً تصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان “منظمة إرهابية” ، متهمة إياها باستخدام العنف ضد المدنيين وتقويض جهود حل النزاع في السودان. وكشفت واشنطن أن التنظيم قدم أكثر من 20 ألف مقاتل في الحرب الحالية، بدعم من الحرس الثوري الإيراني، مما يعني أن التعامل مع قياداته أصبح خطاً أحمر في العلاقات الدولية .

علي محمود عبد الرسول، بهويته الإخوانية الثابتة، يصبح بموجب هذا التصنيف شخصاً غير مرغوب فيه في أي مؤسسة مالية دولية تتقي غضب المجتمع الدولي. فكيف بمؤسسة إقليمية طموحة مثل بنك الساحل والصحراء أن تفتح ذراعيها لشخص بهذا الثقل السياسي والأمني؟

البنك بين التنمية والتمويل المشبوه

بنك الساحل والصحراء، كما هو معروف، يتمتع بطبيعة ملكية فريدة تجمع عدة دول أفريقية، على رأسها ليبيا والسودان ودول غرب أفريقيا كالنيجر ومالي والسنغال. وقد أنشئ ليكون أداة مالية لتعزيز التعاون الاقتصادي وتسهيل حركة الأموال والتجارة عبر الحدود، ودعم الاستثمارات المشتركة في المنطقة. لكن هذا الهيكل الفريد، الذي يفترض أن يكون مصدر قوة، يتحول اليوم إلى نقطة ضعف حين تتحكم فيه أجندات سياسية ضيقة.

إن تعيين شخصية مثل علي محمود عبد الرسول يطرح تساؤلات جوهرية: هل تحول البنك من مؤسسة تنموية إلى واجهة مالية لتنظيم دولي مصنف إرهابياً؟ وهل ستتحول فروعه المنتشرة في أفريقيا إلى قنوات لتمويل الأنشطة المشبوهة؟ الأهم من ذلك، هل تدرك الدول الأعضاء في البنك، خاصة تلك التي تربطها علاقات استراتيجية مع الغرب، أن هذا القرار قد يعرضها لعقوبات دولية قد تطال مصالحها؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!