رأي

امتحانات الشهادة السودانية في زمن الحرب

مها طبيق

 

مها طبيق 

في سياق الحروب، يفقد مفهوم “الحياد” في التقييم التعليمي معناه العملي . وعليه، فإن التعامل مع امتحانات الشهادة السودانية بوصفها أداة قياس موضوعية يتجاهل حقيقة بنيوية أساسية هي أن الامتحان، في ظروف النزاع، قد يتحول إلى آلية لإعادة إنتاج اللامساواة بدلًا من تقليصها .

التعليم في هذه البيئات يشكّل فضاءً تتقاطع فيه اعتبارات العدالة الاجتماعية مع محددات الواقع المادي والنفسي للطلاب. ومن ثم، فإن أي تصميم تقليدي للامتحانات، غير واعٍ بهذه التعقيدات، ينحاز ضمنيًا إلى من يملكون ظروفًا أكثر استقرارًا.

الفرضية الضمنية التي تقوم عليها الامتحانات المركزية هي تكافؤ شروط الأداء. غير أن هذه الفرضية تنهار في بيئة يتفاوت فيها الطلاب جذريًا من حيث الاستقرار الجغرافي

والسلامة الشخصية والقدرة على الوصول إلى الموارد التعليمية ، ٱصف الي ذلك التوازن النفسي .

الطلاب النازحون واللاجئون، على وجه الخصوص، يواجهون مسارات وصول قاسية إلى مراكز الامتحان، قد تمتد لأيام طويلة، في ظل إرهاق جسدي وضغط نفسي حاد. وفي بعض الحالات، يُطلب منهم أداء الامتحان في يوم وصولهم ذاته، دون أي فترة تعافٍ.

هذا النمط من الممارسة لا يمكن تصنيفه كإجراء إداري محايد، بل يندرج ضمن ما يمكن توصيفه بـ العنف المؤسسي منخفض الكثافة؛ حيث تُفرض معايير موحدة على واقع غير متكافئ، بما يؤدي فعليًا إلى إقصاء غير معلن.

تشير الأدبيات في علم النفس التربوي إلى أن التعرض المستمر للتهديد يضع الجهاز العصبي في حالة استنفار دائم، ما يؤثر سلبًا على ان كفاءة الذاكرة طويلة المدى والقدرة على المعالجة التحليلية ومهارات التفكير التجريدي

في هذا السياق، يصبح تصميم امتحانات ذات منحنى صعوبة مرتفع منذ البداية إجراءً يفتقر إلى الأساس العلمي. القياس العادل لا يتم عبر اختبار الحد الأقصى للأداء النظري، بل عبر تقدير القدرة الممكنة ضمن القيود الواقعية.

الاستجابة المهنية لهذا الواقع لا تكون بتخفيض المعايير، بل بإعادة تصميمها. ويُعد التدرّج في بنية الأسئلة (من البسيط إلى المتوسط ثم الأعلى) أحد أهم أدوات تحقيق العدالة التربوية في بيئات الهشاشة.

هذا التدرّج يتيح استدعاء المعرفة الأساسية ويقلل من الصدمة المعرفية الأولية

يعزز الثقة التدريجية لدى الطالب الذي يحسّن جودة الاستجابة وعليه، فإن التدرّج ليس تبسيطًا مخلًا، بل هو إعادة توزيع ذكية لعبء التقييم بما يتناسب مع السياق.

في ظل القلق المزمن، يواجه الطلاب ما يُعرف بارتفاع “الحمل المعرفي”، حيث تُستهلك موارد الانتباه في إدارة الخوف بدلًا من معالجة الأسئلة. وعند مواجهة أسئلة معقدة في بداية الامتحان، قد يدخل الطالب في حالة من العجز المتعلّم، يفقد معها الإحساس بالقدرة على الإنجاز، ويتراجع أداؤه بشكل حاد.

في هذه الحالة، يتحول الامتحان من أداة قياس إلى آلية نفسية لإنتاج الفشل.

لا يمكن الحديث عن عدالة تعليمية في سياق الحرب دون إدماج البعد الجندري. الطالبات يواجهن ضغوطًا مركّبة تشمل أعباء الرعاية داخل الأسرة ومخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي بالإضافة إلى قيود الحركة والوصول ، هذه العوامل تضعهن في موقع تفاوضي أضعف داخل منظومة التقييم، ما يستدعي سياسات حساسة للنوع الاجتماعي ضمن تصميم الامتحانات.

إعادة هيكلة امتحانات الشهادة السودانية في سياق النزاع تتطلب انتقالًا واضحًا من نموذج “الفرز” إلى نموذج “التمكين”. ويمكن تأطير ذلك عبر المبادئ التالية :

الاعتراف الصريح بعدم تكافؤ الظروف كنقطة انطلاق للتصميم ، واعتماد التدرّج المعرفي في بنية الأسئلة،التركيز على الكفايات الأساسية ذات القيمة التطبيقية ، وإدخال مرونة زمنية حقيقية في جدولة الامتحانات ، وتطوير مسارات تقييم بديلة للطلاب في أوضاع النزوح الحاد مع إعادة تعريف النجاح بوصفه مؤشر صمود وقدرة على الاستمرار .

في البيئات المستقرة، تُستخدم الامتحانات لقياس الفروق ، أما في البيئات المنهارة، فيجب أن تُستخدم لتقليصها. أن الاستمرار في تطبيق نموذج تقييم تقليدي في سياق حرب لا يمثل فقط قصورًا مهنيًا، ولكن يعكس انحيازًا هيكليًا ضد الفئات الأكثر هشاشة. الطلاب يطالبون بمعايير تقييم يعترف بواقعهم..وأي نظام تعليمي يعجز عن تحقيق ذلك، يفقد وظيفته كأداة للعدالة، ويتحول إلى آلية لإعادة إنتاج الإقصاء بشكل ممنهج.

مها الهادي طبيق 

15 إبريل 2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!