رأي

السودان في عامه الرابع من الحرب: حين تتحول الأوطان إلى خرائط للخراب

صالح السليمي

 

صالح السليمي

مع دخول الحرب في السودان عامها الرابع، لم تعد المأساة مجرد صراع على السلطة، بل تحوّلت إلى عملية تفكيك ممنهجة لدولة كانت تعاني أصلًا من الهشاشة. فالحروب حين تطول، لا تبقى حروبًا؛ بل تصبح أنظمة بديلة للحياة، تُدار فيها البلاد بمنطق الفوضى، وتُعاد صياغة المجتمع على إيقاع العنف والانقسام. وما السودان اليوم إلا نموذج صارخ لانزلاق دولة بأكملها إلى قاع الانهيار.

الأرقام وحدها تفضح حجم الكارثة: أكثر من 13 إلى 15 مليون نازح داخل البلاد وخارجها، في واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم ، وأكثر من 4.5 مليون لاجئ عبروا الحدود ، بينما يواجه نحو 34 مليون إنسان—أي ما يقارب ثلثي السكان—حاجة ملحة للمساعدات الإنسانية . أما الموت، فقد تجاوز الأرقام الرسمية، حيث تشير تقديرات إلى عشرات الآلاف وربما مئات الآلاف من الضحايا ، في ظل غياب إحصاء دقيق وسط الفوضى.

لكن خطورة المشهد لا تكمن في هذه الأرقام وحدها، بل في دلالتها: نحن أمام دولة تتآكل من الداخل، حيث انهارت الخدمات، وتفككت المؤسسات، وتحوّل الاقتصاد إلى اقتصاد نجاة بدائي، فيما يعيش ملايين الناس على وجبة واحدة في اليوم . إنها ليست أزمة عابرة، بل انهيار تاريخي مفتوح على كل الاحتمالات الكارثية.

حين يطول أمد الحرب: دروس الإقليم القاسية

التاريخ القريب في الإقليم لا يرحم. فالدول التي طال فيها أمد الحرب لم تعد كما كانت، بل تحولت إلى كيانات ممزقة، عاجزة عن استعادة استقرارها حتى بعد سنوات من توقف القتال.

في الصومال، التي انهارت دولتها منذ 1991، لا تزال البلاد بعد أكثر من ثلاثة عقود تعاني من هشاشة مزمنة، حيث لم تستطع الحكومات المتعاقبة فرض سيطرة كاملة على أراضيها، وبقيت البلاد رهينة الميليشيات والتدخلات الخارجية.

وفي سوريا، وبعد أكثر من 13 عامًا من الحرب، تشير التقديرات إلى مقتل مئات الآلاف، ونزوح أكثر من نصف السكان بين لاجئ ونازح. ورغم تراجع العمليات العسكرية الكبرى، إلا أن الاستقرار الحقيقي لا يزال بعيد المنال، مع اقتصاد منهار، وبنية تحتية مدمرة، وانقسام فعلي للبلاد.

أما ليبيا، التي دخلت دوامة الصراع منذ 2011، فقد تحولت إلى ساحة صراع مفتوحة بين حكومات متنافسة وقوى مسلحة، مع عجز مستمر عن بناء دولة موحدة رغم مرور أكثر من عقد.

هذه النماذج ليست بعيدة عن السودان، بل هي مرآة لمستقبله المحتمل إذا استمرت الحرب. القاسم المشترك بينها واضح: كلما طال أمد الصراع، تعمّق الانقسام، وانهارت الدولة، وتحوّل السلام إلى مشروع شبه مستحيل.

السودان على حافة التحول إلى “دولة حرب دائمة”

المؤشرات الحالية في السودان تنذر بانزلاق مماثل—بل ربما أسوأ. فالحرب لم تعد ثنائية فقط، بل بدأت تتشظى إلى صراعات محلية وإثنية، مع تدخلات إقليمية متزايدة، ما يعني أن مسارها لم يعد قابلًا للضبط بسهولة.

اقتصاديًا، تشير التقديرات إلى أن الحرب أعادت السودان عقودًا إلى الوراء . إنهيار العملة، تعطّل الإنتاج، وتدمير البنية التحتية ليست نتائج مؤقتة، بل عوامل تؤسس لانهيار طويل الأمد. اجتماعيًا، يتفكك النسيج الوطني تحت ضغط الكراهية والعنف، بينما يُدفع جيل كامل خارج التعليم، حيث حُرم ملايين الأطفال من الدراسة .

أما سياسيًا، فإن أخطر ما يحدث هو تآكل فكرة الدولة نفسها، حيث تتآكل المؤسسات، ويتحول السلاح إلى مصدر الشرعية الوحيد.

نداء قبل فوات الأوان

السودان اليوم ليس أمام خيار بين النصر والهزيمة، بل بين البقاء والانهيار الكامل. الاستمرار في هذا المسار يعني ببساطة إعادة إنتاج نماذج الصومال وسوريا وليبيا—ولكن بنسخة سودانية أكثر تعقيدًا وخطورة. إن اللحظة الراهنة تتطلب شجاعة سياسية غير مسبوقة: توافق وطني حقيقي، لا يقوم على تقاسم السلطة، بل على إنقاذ الدولة. توافق يضع حدًا للحرب، ويعيد بناء المؤسسات، ويؤسس لسلام مستدام يقوم على العدالة لا الغلبة.

فالتاريخ لا يمنح فرصًا بلا نهاية. وكل يوم إضافي في هذه الحرب ليس مجرد رقم في التقويم، بل خطوة أخرى نحو نقطة اللاعودة.

والسؤال الذي يجب أن يُطرح الآن، بلا مواربة:

هل ينتظر السودانيون أن يصبح وطنهم درسًا جديدًا يُضاف إلى قائمة الدول المنهارة، أم يقررون—أخيرًا—إنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن يُغلق باب النجاة إلى الأبد؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!