
يعقوب التجاني إبراهيم المحامى والمستشار القانوني
لم يعد خطاب مبارك أردول مجرد رأي سياسي عابر يمكن إدراجه ضمن اختلافات الساحة العامة، بل تحول في تقدير كثيرين إلى محاولة ممنهجة لإعادة تعريف قضية شعب النوبة وفق منظور شخصي ضيق، يتعارض مع الحقائق التاريخية والوقائع الراهنة على الأرض. فالرجل الذي يقدّم نفسه ناطقاً باسم شعب النوبة، يهاجم تحالفاً أتاح للحركة الشعبية مكاسب غير مسبوقة، بينما يتغافل عن سجل طويل من الإقصاء والانتهاكات والتهميش ارتبط بالمنظومة التي بات قريباً منها سياسياً اليوم.
وفي خطابه الأخير عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قدّم أردول رواية سياسية تفتقر إلى الموضوعية، زاعماً أن تحالف الحركة الشعبية مع تحالف “تأسيس” بقيادة الدعم السريع يمثل تهديداً لحقوق شعب النوبة، وأن هذا التحالف يقوم على الاستغلال وسينتهي بالتنصل. غير أن هذا الادعاء ينهار أمام مقارنة بسيطة بين ما تحقق فعلياً لشعب النوبة داخل هذا التحالف، وما تعرض له تحت سلطة الإسلاميين الذين يقترب منهم أردول اليوم.
أولاً: ماذا حققت الحركة الشعبية داخل تحالف تأسيس؟
بعيداً عن لغة الشعارات، استطاعت الحركة الشعبية بقيادة القائد عبد العزيز الحلو أن تنتزع مكاسب سياسية ودستورية لا يمكن إنكارها، ومن أبرزها:
1. المشاركة في صياغة الميثاق التأسيسي والدستور الانتقالي
لم تكن الحركة الشعبية طرفاً هامشياً أو تابعاً، بل شاركت بوصفها شريكاً أصيلاً في صياغة الميثاق والدستور الانتقالي لتحالف تأسيس، حيث جرى تثبيت مبادئ السودان الجديد القائمة على علمانية الدولة، والمواطنة بلا تمييز، والعدالة والمساواة.
2. مكاسب حقيقية في هياكل السلطة
حازت الحركة الشعبية على نسبة معتبرة من مواقع السلطة، شملت وزارات سيادية ومؤسسات مفصلية، من بينها منصب رئيس القضاء، وهو موقع محوري في إعادة بناء دولة القانون والمؤسسات.
3. تمثيل مؤثر في مجلس الولايات
بلغ هذا التمثيل حد رئاسة المجلس، إلى جانب حضور وازن في بقية المؤسسات، بما يعكس انتقالاً سياسياً واضحاً من الهامش إلى مركز القرار.
4. إعادة تشكيل المؤسسة العسكرية
نص الدستور الانتقالي على أن تشكل قوات الدعم السريع، والجيش الشعبي، والحركات المسلحة الموقعة، النواة الأولى لجيش السودان الجديد، وهي خطوة تاريخية تعيد التوازن العسكري والسياسي لصالح قوى الهامش لأول مرة
هذه ليست وعوداً فضفاضة، بل مكاسب موثقة تعكس تحولاً فعلياً من التهميش إلى الشراكة.
ثانياً: أين كانت حقوق شعب النوبة في ظل النظام القديم؟
في المقابل، يفرض سؤال نفسه بإلحاح: أين كانت هذه الحقوق حين كانت السلطة بيد المنظومة التي يدافع عنها أردول اليوم؟
1. إقصاء أردول نفسه
تم إعفاء أردول من منصبه مديراً عاماً للشركة السودانية للموارد المعدنية، رغم أنه التحق لاحقاً باعتصام “الموز” الذي استهدف إسقاط حكومة الثورة، لكنه لم يحصد سوى الإبعاد والتهميش.
2. تهميش القيادات العسكرية من أبناء النوبة
شهدت المؤسسة العسكرية إبعاد شخصيات مؤهلة من أبناء النوبة عن مواقع القيادة العليا، لصالح ترتيبات تحكمها الولاءات الضيقة لا الكفاءة والاستحقاق.
3. تحجيم أدوار أبناء الهامش في السلطة
حتى من تم تعيينهم في مواقع عليا، جرى حصر صلاحياتهم في أدوار شكلية، دون تمكين حقيقي في صناعة القرار الوطني.
4. انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان
وثقت تقارير عديدة حالات تصفية وقتل خارج القانون في مناطق جنوب كردفان وجبال النوبة، تحت ذرائع سياسية وأمنية، في واحدة من أحلك صفحات التاريخ السوداني الحديث.
5. التدمير الممنهج للبنية التحتية
شهد الإقليم تراجعاً واسعاً في التعليم والصحة والزراعة والخدمات الأساسية، نتيجة سياسات الحرب والإهمال والتجويع التنموي.
هذه الوقائع لم تكن أخطاء فردية، بل تعبيراً عن نمط حكم كامل قائم على الإقصاء والتهميش.
الخلاصة: بين مشروع جماعي ومصلحة فردية
المفارقة الصارخة أن أردول يهاجم تحالفاً منح الحركة الشعبية، وبالتالي شعب النوبة، مكاسب دستورية وسياسية غير مسبوقة، بينما يدافع عن منظومة لم تقدم لهم سوى الحرب والتهميش والانتهاكات.
القضية هنا ليست مجرد خلاف سياسي، بل صراع بين مشروع جماعي يسعى لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة، وبين مواقف فردية تحكمها حسابات التموضع السياسي والمصلحة الشخصية.
إن الدفاع الحقيقي عن حقوق شعب النوبة لا يكون عبر الوصاية أو احتكار الحديث باسمهم، بل عبر الانخراط في مشروع وطني يعيد توزيع السلطة والثروة بعدالة، ويؤسس لدولة المواطنة المتساوية.
أما إعادة إنتاج خطاب التخويف من التحالفات التي منحت هذه الحقوق فعلياً، فهو إما قراءة قاصرة للواقع، أو محاولة واعية لتضليل الرأي العام.
فقضية شعب النوبة أكبر من أن يحتكرها فرد، وأعمق من أن تُستخدم ورقة في صراع المواقع. فالتاريخ لا يُكتب بالخطب والمحاضرات، بل بالمواقف الصلبة وانتزاع الحقوق.
أما وصاية أردول، فهي ببساطة: صوت بلا تفويض، وخطاب بلا مصداقية، وموقف لا يخدم إلا من لفظوه بالأمس ويستخدمونه اليوم.




