تنسيقيات المقاولة ودورها في تسويق الشباب لمقاصل الجلاد: تصفية مكي التجاني نموذجاً
مليح يعقوب حماد

مليح يعقوب حماد
باحث في إدارة التنوع والسياسات الريفية
إن ملابسات تصفية القائد الميداني المنشق من الدعم السريع مكي محمد التجاني وجنوده بواسطة استخبارت الجيش الاخواني في مدينة الأبيض، تجاوزت في دلالاتها السياسية سياق “الإعدامات الميدانية”، لتصبح بمثابة الشهادة الجنائية الرسمية على الموت السريري لوعود المركز، والسقوط الأخلاقي المدوي لـ “تنسيقيات المقاولة” التي تحولت إلى سماسرة حرب تبيع دماء قبائلها في سوق النخاسة السياسي ولم نسمع لهم ولو أدانة واحدة لقصف الجيش لاهلهم في القرى والاسواق والمستشفيات المكتظة بالمرضى فى كردفان ودارفور. إن تصفية التجاني تُمثّل الوجه العاري لـ “دولة 56″ في أبشع تجلياتها الراديكالية؛ تلك الدويلة المتآكلة التي تنظر دوما لإنسان الهامش ك”سلعة قتالية” تنتهي صلاحيتها بانتهاء الغرض الوظيفي . لقد تحولت “بارانويا الشك” المضطربة في عقول الكيزان إلى وساوس قهرية تنهش بنيانهم المتآكل؛ ففي معبد “العقيدة العسكرية المؤدلجة” تلاشت معايير المهنية والقيم الآدمية و اصبح لا يوجد متسعٌ لحليف أو شريك، ليتم التعامل مع ابناء الهامش كوقود حيوي يُحرق لحماية كراسي النخبة، ثم تُذرى أشلاؤه عند أول منعطف للارتياب.
عقيدة الشك واستراتيجية التخلص من “العبء البشري”:
تكشف حادثة الأبيض عن عجز بنيوي عميق تعانيه المنظومة العسكرية “المؤدلجة” في إدارة ملف مقاتليها المستوعبين من هوامش الدولة عبر ما يسمى بـ “تنسيقيات القبائل”. وتبرهن هذه الواقعة على أن “الضمانة السياسية والقبلية” التي يسوّقها النظام تحولت الى فخٍ محكم؛ فحين تفشل الاستخبارات العسكرية في حسم المعارك ميدانياً، أو حين تهتز معادلات الولاء، تلجأ فوراً إلى “التصفية الجسدية” بوصفها الأداة الأسهل للتخلص من عبء بشري تراه المنظومة “مستخدماً مؤقتاً” لا شريكاً وطنياً. إنها رسالة رعب مزدوجة الصدى: رسالة للداخل لقطع طريق المراجعة السياسية، وللخارج لإغلاق باب الانشقاقات بالترهيب لا بالإقناع. هي ممارسة تعكس “بروتوكول الشك” المتجذر في عقل المركز تجاه كل القادمين من الهامش؛ فمن يغدر ليحمي سلطته، لا يمكنه أن يقيم وزناً لقيمة “الوفاء” تجاه حلفائه.
تنسيقيات القبائل: من “التمثيل الاجتماعي” إلى “المقاولات العسكرية”
يستوجب التحليل السوسيولوجي نزع “القداسة المصنوعة” عن هذه التنسيقيات؛ بوصفها واحدة من اخبث ابواغ النظام ، لا تعمل هذه التنسيقيات في خدمة المجتمع، وتتحرك منطقة رمادية بين حماية مصالحها الذاتية الضيقة وبين تحولها إلى “رافعة سياسية” لمشروعات اكبر. لقد استحالت هذه الواجهات إلى “شركات أمنية” وسماسرة ولاء يزينون خيار الانخراط في الحرب كنوع من تأمين الوجود القبلي، بينما هم في الحقيقة يسوقون الشباب إلى “مقصلة سياسية” بامتياز. إن محاولة تنسيقيات (الحوازمة، المسيرية، الرزيقات، وغيرهم) ربط مصير الوجدان القبلي بتنظيم الاخوان الارهابي، وتقديم أبناء جلدتهم كـ “عربون صداقة” وكباش فداء، هي مغامرة تاريخية تجعل من أبناء الهامش ضحايا لمرتين: مرة كحطب لنار الحرب، ومرة كأهداف لتصفيات “رفاق السلاح” عند أول بادرة لاهتزاز الثقة.
سوق النخاسة السياسي وثقب الأيديولوجيا الأسود
إن دور “المقاول السياسي” ينتهي فعلياً عند حدود نيل العطايا والرتب؛ فهو يقدم دماء أبناء قبيلته قرابين على مذابح السلطة، ثم يلوذ بـ “الصمت الوظيفي” المخزي حين تُوجه الفوهات إلى صدور من جنّدهم بنفسه. إنها تجارة خاسرة تُباع فيها الهوية الاجتماعية في “سوق نخاسة” تديره نخب المركز لخدمة مشروع انتهازي يسعى للبقاء عبر إثارة الفتنة وتفكيك النسيج الاجتماعي. لقد كشفت واقعة اغتيال مكي التجاني عن “الثقب الأسود” في هذا التحالف؛ وهو تحويل الهوية من جسر للتعايش إلى “أداة حرب” تهدف لضمان بقاء النخبة القديمة ولو على ركام جثث حلفائها “المؤقتين”.
الخاتمة: “السودانوية” كطوق نجاة وجودي
إن الدرس القاسي الذي خطته دماء مكي محمد التجاني — المغدور به من قبل “آلة الإخوان” — هو أن المركز الأيديولوجي لا يؤمن بالحلفاء، ولا يعطى وزنا “للأتباع المستهلكين”؛ فمصير الحليف في عُرف هذه المنظومة هو الموت غدراً فور انتهاء الصلاحية الوظيفية.
إن المخرج الوحيد من نفق “المقاولات العسكرية” يكمن في الالتفاف حول مشروع “السودانوية” كخيار استراتيجي؛ السودانوية التي تعترف بالتنوع وتديره بعدالة ومواطنة، بعيداً عن الاستغلال الوظيفي للقبيلة. آن الأوان لأبناء الهامش أن يدركوا أن كرامتهم تكمن في بناء “دولة المؤسسات والمواطنة”، لا في العمل كـ “تروس” في ماكينة حرب لا ترحم حتى من يدافع عنها. إن دماء التجاني يجب أن تكون الصرخة الأخيرة في وجه تزييف الوعي، والخطوة الأولى نحو استرداد الإرادة الاجتماعية من يد السماسرة، وتأسيس جيش وطني مهني عقيدته حماية الإنسان، لا تصفية من استجار بظله.




