
إسماعيل هجانة
في الحروب، لا تُقاس المسؤولية بعدد الرصاصات التي أُطلقت، فهي تُقاس بالقرار الذي سمح بإطلاقها. ما بدأ في وادي سيدنا كتحولٍ في “هوية القرار”، لم يبقَ داخل الغرف المغلقة؛ لقد خرج إلى الميدان محمّلًا بأوامر واضحة، تُترجم إلى أفعال لا تخطئها العين. نحن هنا لا نتحدث عن أخطاء ميدانية معزولة، ولا عن انحرافات فردية يمكن احتواؤها؛ نحن أمام نمطٍ متكرر تتشابه فيه الأهداف، وتتكرر فيه الوسائل، وتتطابق فيه النتائج. من القرى التي استُهدفت، إلى المرافق التي دُمّرت، إلى المدنيين الذين وُضعوا في مرمى النيران—كل ذلك يشير إلى أن ما يُنفّذ على الأرض ليس عشوائيًا، بل نتيجة مباشرة لقرارات صيغت في مكان ما. وفي قلب هذا المسار، يتحول السؤال من “ماذا حدث؟” إلى سؤالٍ أكثر حدة: من قرر… وكيف صُمّم هذا القرار؟
الحرب كأداة لإعادة التمكين
إن خطاب العطا وتصريحاته لم تكن يوماً مجرد ‘انفعالات عسكرية’ عابرة، بل هي ترجمة دقيقة لخطاب أيديولوجي متجذر يهدف إلى ‘حسم الصراع’ عبر الإقصاء الممنهج لكل من لا يدين بالولاء لتنظيمهم. إن استخدامه لمصطلحات مثل ‘الحواضن’ لوصف المدنيين، وتخوين القوى السياسية، ليس إلا استحضاراً لقاموس ‘التمكين’ الذي أذاق السودانيين الويلات لثلاثة عقود. نحن أمام مهندسٍ لسياسات القتل البارد، لا يتردد في ‘عسكرة السياسة’ و’تسييس العسكرية’ لفرض واقعٍ تكون فيه كتائب التنظيم هي صاحبة قرار الحرب والسلم، مما يجعل استمرار الحرب غايةً في حد ذاتها لضمان ‘بقاء التنظيم’ على حساب دماء الوطن.
ومنذ توليه رئاسة هيئة أركان الجيش السوداني، انتقل العطا إلى مرحلة أكثر دموية؛ حيث شهدت هذه الفترة تصعيداً نوعياً في استخدام المسيرات الانتحارية والاستراتيجية. وبمعدل لا يقل عن خمس هجمات يومياً، تحولت هذه الطائرات من أداة قتالية إلى سلاح للإبادة المنهجية، مستهدفة بشكل متعمد القرى، المستشفيات، المراكز الصحية، المدارس، ومصادر المياه.
هذا النمط من الاستهداف الممنهج للمدنيين والبنية التحتية الحيوية وثقته تقارير خبراء الأمم المتحدة ولجان التحقيق الدولية، التي أكدت مراراً أن استخدام الطائرات المسيرة في المناطق المكتظة بالسكان يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني. فقد أشارت تقارير أممية عديدة إلى أن الهجمات الجوية والمسيرات التي تستهدف تجمعات المدنيين والمرافق الإنسانية ترقى إلى ‘جرائم حرب’ و’جرائم ضد الإنسانية’. وبناءً على التقارير التي وثقت استهداف المدارس والمستشفيات، يبرز اسم الفريق ياسر العطا كمسؤول مباشر عن إدارة هذه الحملات؛ فهو الذي يمتلك سلطة القرار العسكري، وهو الذي أضفى ‘شرعية أيديولوجية’ على تحويل المدنيين إلى أهداف مشروعة بدم بارد، ليبقى التاريخ شاهداً على أن هذه الجرائم لم تكن أخطاءً ميدانية، بل سياسة قيادية اتُخذت من وادي سيدنا لترويع السودانيين وإخضاعهم.
سجل الدم: من “وادي سيدنا” إلى ساحات العدالة الدولية
لم تعد الانتهاكات في دارفور، كردفان، والجزيرة مجرد تقارير صحفية، فقد تحولت إلى سجلات جنائية موثقة بجرائم ضد الإنسانية. إن ما يحدث في الجنينة، زالنجي، كتم، الضعين، ونيالا يمتد اليوم ليمزق نسيج مجتمعات كردفان؛ حيث تتعرض مناطق المجلد، الفولة، وأبوزبد، وصولاً إلى القرى والفرقان وبوادي مجتمعات الحوازمة، لهجمة شرسة وممنهجة. إن استهداف هذه المناطق يتجاوز كونه اشتباكاً عسكرياً، فهو إبادةٌ مُبرمجة تهدف لكسر إرادة هذه المجتمعات وتهجيرها قسرياً، عبر استخدام القصف الجوي والمسيرات الانتحارية التي تضرب الأسواق، الآبار، والمرافق الحيوية بشكل متعمد.
لقد وثقت آلية تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة ومنظمات دولية مثل ‘هيومن رايتس ووتش’ هذه الهجمات الممنهجة على المدنيين، مؤكدة أنها تضع الفريق ياسر العطا وقيادة وادي سيدنا في قفص الاتهام الجنائي، بصفتهم مخططين لمسارٍ يرتكز على الإبادة المنهجية. خلال الشهرين الماضيين وحدهما، تشير التقديرات الميدانية إلى نزيف بشري مروع؛ حيث سقط ما لا يقل عن (6,000) ضحية في دارفور، بينما سجلت ولايات كردفان—بما فيها مناطق الحوازمة—سقوط قرابة (2,500) ضحية، نتيجة هجماتٍ لا تفرق بين مدني ومقاتل. إن استهداف ‘بوادي الحوازمة’ وتجمعاتهم يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن قرار الحرب الصادر من ‘غرفة عمليات وادي سيدنا’ يستهدف الهوية والمجتمعات التي تُصنفها قيادة وادي سيدنا بدمٍ بارد كـ ‘حواضن’ خارجة عن أجندتها الأيديولوجية.
إن تصنيف هذه المجازر كجرائم حرب بموجب القانون الدولي يعد إدانة جنائية تضع الفريق ياسر العطا في قفص الاتهام بصفته المخطط الأول. إن خطاباته التي تنادي بـ ‘القوة المميتة’ تحولت إلى ‘أوامر إبادة’ أُفرغت حممها فوق رؤوس المدنيين في المجلد وأبوزبد، مما يجعله المسؤول الأول أمام لجان العدالة الدولية عن فناء هذه المجتمعات. إن التقارير الأممية، التي أكدت استهداف الأسواق والمرافق الصحية والمناطق السكنية، تضع العطا وقيادة وادي سيدنا في مواجهة مباشرة مع التاريخ والقانون؛ ففي عرف العدالة الدولية، لا يعفي ‘الزي العسكري’ أو ‘الغطاء الأيديولوجي’ أحداً من تبعات هذه الجرائم. إن هذا التاريخ من الدماء لن يتقادم، وستظل ‘المسؤولية القيادية’ للعطا حبل مشنقة قانوني يضيق حول عنقه مع كل تقرير دولي يوثق صرخة طفل، أو تدميراً لبئر مياه، أو محواً لقرية من قرى بوادي كردفان.
الحقيقة المرة
تفرض هذه الحقائق طرح السؤال الجوهري: هل ما يزال الجيش السوداني مؤسسة قومية، أم أن غرفة العمليات في “وادي سيدنا” نجحت في تحويله إلى أداة طيعة بيد تنظيم سياسي لا يعترف بالآخر؟
إن التاريخ يُعلمنا أن الجيوش التي تختطفها الأيديولوجيا تظل دائماً أول ضحاياها. وما فعله الفريق ياسر العطا من ربطٍ وثيق بين مصير الجيش ومصير كتائب الإسلاميين يمثل رهاناً خاسراً، لا يدفع التنظيم ثمنه، فهو يدفع ثمنه دماء السودانيين ووحدة ترابهم. إن هذا المسار يؤكد أن المؤسسة العسكرية، كما يديرها العطا، باتت رهينةً لأجندة أيديولوجية تُعجل بنهاية دور الجيش كحامٍ للوطن، لتجعله طرفاً في صراعٍ دامي لا يُبقي ولا يذر.
اسماعيل هجانة الحكاية الأعمق من الحرب




