رأي

خديعة الدولة والتنظيم — 4/6 البرهان — واجهة أم قائد؟

مجدي محمد مصطفي ماكن

 

 مجدي محمد مصطفي ماكن 

في كل مرحلة من مراحل الأزمة السودانية، يظهر خطاب يُقدَّم فيه أحد الأشخاص على أنه “رجل المرحلة” القادر على كسر الحلقة المفرغة. عند سقوط البشير، جرى تقديم البرهان بهذه الصورة: ضابط مهني، رجل دولة لا رجل تنظيم، شخص يمكن التعامل معه والبناء عليه.

وهذه الرواية تروّجها اليوم بحماس لافت دوائر إقليمية ودولية لا يخفى على المتأمل من تخدم مصالحها.

لكن الحقيقة التي تكشفها الوقائع الموثقة تقول شيئاً مختلفاً تماماً: البرهان ليس ضابطاً مهنياً اختطفه التنظيم، بل هو نتاج التنظيم واختياره الواعي لإدارة المرحلة.

 أولاً: الترقي بلا استحقاق مهني

في أي مؤسسة عسكرية مهنية حقيقية، يعكس سلّم الترقيات — ولو جزئياً — معايير الكفاءة والأقدمية والخبرة الميدانية.

وفي التاريخ العسكري السوداني، حتى في أحلك عهود التسييس، كانت هناك قواعد ضمنية تحكم الترقيات.

البرهان خرق هذه القواعد بصورة لافتة. فقد تجاوز في ترقياته ضباطاً أقدم منه وأكثر منه خبرة ميدانية، في مسار لا يُفسَّر بالكفاءة العسكرية بل بشيء آخر: “الثقة التنظيمية”.

فالحركة الإسلامية الإرهابية كانت تحتاج إلى رجل في الموقع القيادي يجمع بين صفتين: أن يبدو غير معروف لدى الجمهور الداخلي والخارجي بوصفه “عسكرياً” لا “إخوانياً”، وأن يكون موثوقاً لديها بوصفه عضواً في منظومتها لا خارجها.

البرهان كان هذا الرجل. وترقيته المتسارعة كانت الدليل لا الصدفة.

 ثانياً: أسرته في تركيا — ليست تفصيلاً عابراً

يميل كثيرون إلى تجاهل مسألة إقامة أسرة البرهان في تركيا بوصفها شأناً شخصياً لا صلة له بالسياسة. هذا التجاهل خاطئ منهجياً ومضلل سياسياً.

تركيا في عهد أردوغان ليست مجرد دولة إسلامية المرجعية، بل هي الحاضنة الدولية الرئيسية للإخوان المسلمين بعد ثورات الربيع العربي. وقد استضافت القيادات الإخوانية المطرودة من مصر وليبيا وتونس والسودان، ووفّرت لها التمويل والمنابر الإعلامية والحماية الدبلوماسية. إقامة أسرة القائد العسكري الأعلى للسودان في تلك البيئة بالذات ليست مجرد تفضيل سكني — بل هي خارطة للانتماء والولاء والشبكة التي يعمل ضمنها.

لو كان البرهان فعلاً في قطيعة مع مشروع الإخوان، لكانت هذه الإقامة أول ما يُراجَع. أن تبقى الأسرة هناك مع تصاعد حديثه عن “منطق الدولة”، فهذا تناقض لا يُفسَّر إلا بأن الخطاب للاستهلاك الخارجي والواقع لشيء آخر.

ثالثاً: علي كرتي — المحرك الحقيقي

علي كرتي ليس شخصية هامشية في المشهد السوداني. فهو الأمين العام للحركة الإسلامية السودانية، ووزير الخارجية الأسبق في عهد البشير، والعقل الاستراتيجي الذي يُعدّ الأكثر قدرةً على إدارة التناقضات السياسية داخل المنظومة الإسلاموية.

وكرتي لا يعمل من خارج المؤسسة العسكرية، بل يعمل من خلال شبكة الضباط الذين يدينون له بالولاء العقدي والتنظيمي، فهو المسئول عنهم ، و جلهم دخلوا الكلية الحربية على يديه. وقراءة مسار القرارات العسكرية الكبرى منذ 2019 — من قرارات الحرب إلى قرارات التفاوض إلى قرارات الإقالة والتعيين — تكشف شيئاً واحداً: هذه القرارات لا تصدر عن تقدير ميداني عسكري بحت، بل عن حسابات سياسية وتنظيمية تتسق مع ما تحتاجه الحركة الإسلامية في كل مرحلة.

البرهان يُنفّذ، وكرتي يُقرر. هذه ليست قراءة تآمرية، بل هي النتيجة المنطقية لثلاثة عقود من الدولة الكيزانية الشاملة التي شرحناها في المقال السابق. لماذا يحتاج الجيش للحرب؟

الجيش هو أكثر مؤسسة تعاني الإهمال على مستوى الجنود، جنود الجيش في عهد كرتي أصبحوا “شحادين”.

و معاقين الحروب من جنود الجيش أصبحوا تجار مخدرات و سجائر في شوارع الخرطوم.

الحرب حرب الكيزان دفع فيها الجيش الثمن الاقسى.

رابعاً: قرارات الإقالة والتعيين — انقلاب داخلي أم إعادة توزيع؟

يستند من يروّجون لخطاب “البرهان ضد الكيزان” بصورة رئيسية إلى موجات الإقالة والتعيين التي أجراها البرهان في صفوف الضباط، مُقدِّمين إياها دليلاً على أنه يُنظّف المؤسسة العسكرية من العناصر الإخوانية.

لكن هذه القراءة تفتقر إلى أبسط معايير التحليل الموضوعي:

أين معيار الإقالة؟ المُقالون لم يُقالوا لانتمائهم للحركة الإسلامية — إذ لو كان هذا هو المعيار لأُقيل البرهان نفسه. بل أُقيلوا لأسباب تتعلق بالولاء الشخصي وتوازنات القوى الداخلية. والمعيّنون الجدد ليسوا ضباطاً مهنيين مستقلين، بل هم في غالبيتهم من شبكة موازية.

المسألة في الجيش ليست في مَن يُقال ومَن يبقى؟ المُقالون و الباقون، بل في الإطار العام للمنظومة، لا يزال كما هو: الاقتصاد العسكري الإسلاموي بشركاته وثرواته، والشبكات الاجتماعية الإخوانية داخل المؤسسة، والتحالفات الإقليمية الداعمة للمشروع — كلها في مكانها.

ما يجري ليس تنظيفاً بل هو صراع جناحين “مصنوع” داخل نفس المنظومة: الجناح العسكري الإجرائي الذي يمثله البرهان، والجناح الأيديولوجي التنظيمي الذي يمثله كرتي. وفي كلتا الحالتين، الضحية هي السودان.

خامساً: خطاب “الدولة” كأداة إعادة تأهيل دولية

لفهم سبب تبنّي دوائر غربية وعربية لخطاب “البرهان رجل الدولة”، لا بد من فهم السياق الإقليمي والدولي الذي يُنتَج فيه هذا الخطاب:

الدول الخليجية المتحفزة لإنهاء الحرب في السودان تحتاج إلى “طرف عقلاني” تتفاوض معه وتُسوِّغ للرأي العام تطبيع علاقاتها مع قيادة عسكرية متورطة في جرائم حرب. وخطاب “البرهان ضد الكيزان” يوفر لها هذه المسوِّغة.

الغرب، الذي تورط في علاقات مع منظومة الإنقاذ لعقود، ويجد نفسه أمام معادلة صعبة بين الضغط على قيادة عسكرية وبين الخوف من فراغ السلطة، يجد في الخطاب ذاته مخرجاً مريحاً: التعامل مع البرهان بوصفه “الأقل سوءاً” ومسوِّغة ذلك أنه يتجه نحو “منطق الدولة”.

أذرع إعلامية مموّلة من مصالح بعينها تجد في هذا الخطاب مادة تحريرية تُقدَّم للمشاهد والقارئ كـ”تحليل عميق”، بينما هي في حقيقتها هندسة إعلامية تخدم أجندات محددة — وهو بالضبط ما يفعله الفيديو الذي فتحنا به هذه السلسلة.

سادساً: القياس التاريخي — البشير والترابي مجدداً

من أكثر الأدوات التحليلية كشفاً في هذا السياق هو القياس على سابقة 1999، حين أزاح البشير الترابي وحلّ البرلمان. فقد سارع كثيرون آنذاك إلى تفسير ذلك على أنه “انتصار الدولة على التنظيم”. وكتب بعض المحللين أن البشير أخيراً “تحرر من قيود الإسلاميين” وبات يقود دولة لا حزباً.

ماذا كانت النتيجة؟ بقيت المنظومة الإسلاموية تحكم السودان عشرين عاماً إضافية، لم يتغير فيها الجوهر بل تغيّرت التوازنات الداخلية فقط. وتبيّن أن الصراع بين البشير والترابي لم يكن صراعاً بين الدولة والتنظيم، بل كان صراعاً على من يُمسك بالتنظيم.

اليوم يتكرر المشهد بممثلين مختلفين لكن بنفس النص: يُقدَّم صراع الجناحين داخل المنظومة الإسلاموية العسكرية على أنه صراع الدولة على التنظيم، ليبدو الجناح المنتصر وكأنه خصم الإسلاميين لا شريكهم الآخر.

سابعاً: الاختبار الفعلي للنوايا

ليست الاتهامات والتكهنات هي ما يحكم على النوايا، بل الاختبارات الموضوعية والقابلة للقياس. ولو أراد البرهان فعلاً أن يثبت أنه رجل دولة لا رجل تنظيم، كانت أمامه اختبارات واضحة:

وقف الحرب دون شروط على قاعدة الحقوق المتساوية، هل فعل ذلك؟ لا.

الموقف من جرائم الحرب، هل أُخضعت أي وحدة عسكرية متورطة في انتهاكات للمحاسبة الحقيقية؟ الإجابة: لا.

هل أوقف عمل فرقة الضباحين أو قبض عليهم ؟ لا.

الموقف من الاقتصاد العسكري: هل جرت أي خطوة جدية لتفكيك الإمبراطورية الاقتصادية للمؤسسة العسكرية وشركاتها التي تسيطر على قطاعات واسعة من الاقتصاد السوداني؟ الإجابة: لا.

الموقف من الانتقال المدني:

هل قدّم البرهان في أي لحظة ضمانات قابلة للتنفيذ لتسليم السلطة لحكومة مدنية منتخبة؟ الإجابة: لا.

الموقف من الهامش:

هل صدر عن قيادة البرهان أي خطاب جدي يعترف بجذور الأزمة السودانية في مركزية الدولة وإقصاء الأقاليم؟ الإجابة: لا.

الرجل الذي يختار “منطق الدولة” ينبغي أن تعكس قراراته مفهوماً للدولة مختلفاً عما سبقه. لا شيء في سجل البرهان يدل على أن مفهومه للدولة يختلف عمّا ورثه عن البشير.

الخلاصة: واجهة بلا عمق

البرهان ليس قائداً مستقلاً يحاول تحرير مؤسسته من قبضة التنظيم. هو واجهة تجمع بين مقبولية شكلية في الخارج وطواعية وظيفية في الداخل. ورقته الرابحة الوحيدة هي أنه يبدو أقل إثارةً للحساسيات من كرتي أو غيره من الوجوه الإسلاموية المكشوفة.

لكن الواجهة — مهما بدت مختلفة — تخدم ما خلفها. والخطر الحقيقي ليس في البرهان بوصفه شخصاً، بل في الخطاب الذي يجعل منه “بديلاً مقبولاً”، لأن هذا الخطاب يُفضي في نهاية المطاف إلى إدامة المنظومة ذاتها تحت عنوان جديد — وهو بالضبط ما أراده صانعو هذا الخطاب منذ البداية.

الخديعة لا تكتمل بالكذب الصريح، بل تكتمل بالحقيقة المنقوصة: نعم، هناك توترات بين البرهان وكرتي. لكن التوترات داخل المنظومة الواحدة لا تُغيّر طبيعة المنظومة، كما أن الخلاف بين لصَّين على توزيع الغنيمة لا يجعل أيّاً منهما حارساً أميناً.

المقال القادم — 5/6: “السم في العسل” — تشريح الهندسة الإعلامية للدولة العميقة، وكيف تُنتج وسائل الإعلام الموجَّهة وهمَ الإصلاح الداخلي مع إبقاء البنية كما هي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!