رأي

السودان بين ميراث الاستعمار وفرصة التأسيس الجديد

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

ليست كل رايةٍ رُفعت إعلانًا للحرية، فبعض الأعلام تُخفي تحتها بقايا السلاسل

إذا كانت المقولة الشهيرة لـتوماس سنكارا: “الاستقلال لا يُمنح بل يُنتزع” تختصر جوهر التحرر الوطني، فإنها تمنحنا مفتاحًا عميقًا لإعادة قراءة التجربة السودانية منذ عام 1956. فرفع العلم الوطني في الخرطوم كان حدثًا رمزيًا عظيمًا، لكنه لم يكن بالضرورة نهاية كاملة لعصر الهيمنة، لأن الاستعمار حين يغادر لا يأخذ معه كل أدواته، بل يترك وراءه مؤسسات، ونخبًا، وأنماط حكم، وحدودًا للصراع، ثم يراقب من بعيد استمرار ما صنعه.

وفي السودان، لم يكن التحدي الأكبر يوم الاستقلال هو خروج الإدارة البريطانية، بل السؤال الذي لم يُطرح بما يكفي: من سيرث الدولة؟ وكيف ستُدار؟ ولصالح من ستعمل؟ ذلك أن الدولة التي خُلقت في ظل الحكم الثنائي صُممت أساسًا لتأمين السيطرة، لا لبناء عقد اجتماعي عادل بين شعوب متعددة الأعراق والثقافات والمصالح.

من هنا، فإن كثيرًا من مؤسسات ما بعد الاستقلال لم تولد من رحم الإرادة الوطنية الخالصة، بل خرجت من البنية الاستعمارية نفسها. فالجيش، الذي نشأ عام 1925 تحت اسم قوة دفاع السودان، لم يُبنَ في الأصل ليكون حارسًا للديمقراطية، بل أداة لحماية النظام القائم. كما أن الجهاز الإداري المركزي تأسس لإدارة الأطراف من العاصمة، لا لتمكين الأقاليم من إدارة شؤونها.

وعندما انتقلت السلطة إلى النخب الوطنية عبر ما عُرف بـ“السودنة”، انتقلت معها أدوات الحكم نفسها. تبدلت الأسماء، لكن جوهر العلاقة بين المركز والأطراف ظل كما هو: مركز يحتكر القرار، وأقاليم تنتظر نصيبها من الاعتراف والتنمية والخدمات.

هنا بدأت المعضلة السودانية الحقيقية. فبدل أن يكون الاستقلال فرصة لإعادة تأسيس الدولة على قاعدة المواطنة المتساوية، تحوّل في كثير من مراحله إلى إعادة توزيع للسلطة داخل الدائرة القديمة. وبذلك، شعر كثير من السودانيين، خصوصًا في الأقاليم البعيدة، أن الدولة الجديدة لا تمثلهم كما ينبغي، وأنهم انتقلوا من تهميش استعماري إلى تهميش محلي أكثر قسوة.

ولم يكن هذا الشعور مجرد انطباع سياسي، بل تجسد في الاقتصاد والتنمية. فالمناطق الزراعية والرعوية التي أسهمت لعقود في رفد الخزينة العامة، ظلت الأقل نصيبًا من الطرق والمستشفيات والتعليم وفرص الاستثمار. وتحولت موارد الأطراف إلى طاقة تُغذي المركز، بينما بقيت المجتمعات المنتجة رهينة الفقر وضعف الخدمات.

ومع مرور الزمن، تراكم الإحساس بالغبن، وتحول إلى نزاعات مسلحة. فالحروب التي شهدها السودان في الجنوب سابقًا، ثم في دارفور، وجنوب كردفان، والنيل الأزرق، لم تكن حوادث منفصلة، بل رسائل متكررة بأن نموذج الدولة المركزية بلغ حدوده القصوى، وأن الاستقرار لا يمكن شراؤه بالقوة إلى الأبد.

غير أن السلطة المركزية، بدل أن تستوعب الدرس، اختارت في أحيان كثيرة إدارة الأزمة لا حلها. فاستخدمت خطاب الوطنية حينًا، وخطاب الأمن حينًا آخر، وخطاب الهوية أحيانًا، لتبرير استمرار الهيمنة. وهكذا جرى تأجيل الانفجار، لا منعه.

ثم جاءت حرب أبريل 2023 لتكشف ما كان مستورًا. فقد أظهرت أن الدولة التي عجزت عن بناء جيش قومي موحد، ومؤسسات مستقلة، ونظام سياسي متوازن، كانت تحمل بذور انهيارها في داخلها. وما بدا صراعًا عسكريًا مباشرًا كان في جوهره نتيجة طبيعية لعقود من عسكرة السياسة، وخصخصة النفوذ، وغياب المشروع الوطني الجامع.

ومن هنا، برزت فكرة “التأسيس” بوصفها حاجة تاريخية، لا مجرد شعار سياسي عابر. فالسودان لا يحتاج فقط إلى وقف الحرب، بل إلى إعادة تعريف الدولة نفسها: ما هي؟ ولمن؟ وكيف تُدار؟

التأسيس الحقيقي يبدأ بالاعتراف أن المواطنة يجب أن تكون المصدر الوحيد للحقوق والواجبات، لا الجهة، ولا القبيلة، ولا التاريخ السياسي، ولا القرب من السلطة. ويعني أيضًا الانتقال من مركزية خانقة إلى فيدرالية حقيقية تمنح الأقاليم سلطات فعلية، لا لافتات إدارية بلا مضمون.

كما أن أي مشروع جديد يحتاج إلى عدالة انتقالية تُحاسب من ارتكبوا الجرائم والانتهاكات، لكنه يحتاج بالقدر نفسه إلى عدالة ترميمية تعالج ما هو أعمق من القانون: الجراح الاجتماعية، والذاكرة المثقلة، والخوف المتبادل بين المجتمعات. فلا يمكن بناء وطن جديد فوق مشاعر قديمة من المرارة دون مصالحة شجاعة وصادقة.

وفي قلب هذا المسار، تبرز قضية الهوية. فالسودان لن يستقر إذا ظل يبحث عن نفسه في مرآة واحدة. قوته الحقيقية في تنوعه الثقافي والإثني والديني واللغوي. وكل محاولة لصهر هذا التعدد في قالب أحادي أنتجت صراعًا بدل الوحدة. لذلك، فإن الدولة الحديثة في السودان يجب أن تُبنى على الاعتراف بالاختلاف لا محاربته.

ومن المفاهيم التي ينبغي أن تصاحب هذا التأسيس أيضًا أن السياسة لا تُقرأ فقط من التصريحات، بل من النتائج. فقد ترفع الأنظمة شعارات كبيرة عن الوطنية والسيادة، بينما تقود البلاد عمليًا إلى الانقسام والضعف. وقد يبدو النفوذ منتصرًا في لحظة، لكنه يعجز دائمًا عن تغيير حقائق الزمن على المدى البعيد.

لذلك، فإن المجتمعات الناضجة لا تكتفي بما يُقال لها، بل تراجع ما جرى، وتقرأ التاريخ من جديد كلما انكشفت طبقات جديدة من الحقيقة. فالتاريخ لا يُكتب مرة واحدة، بل يُعاد فهمه مع كل تجربة جديدة.

السودان اليوم أمام فرصة نادرة، رغم قسوتها. فركام الحرب قد يكون بداية وعي جديد، إذا أدرك الجميع أن إعادة إنتاج المركزية القديمة لن تصنع إلا حربًا مؤجلة. وأن السلام الحقيقي لا يولد من الغلبة، بل من العدالة.

إن الاستقلال الحقيقي ليس مناسبة سنوية ولا علمًا يرفرف فوق المباني، بل شعور جماعي بأن الدولة بيتٌ للجميع. فإذا تحقق ذلك، يكون السودان قد نال استقلاله أخيرًا، لا على الورق فقط، بل في الواقع والضمير والتاريخ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!