رأي

عقيدة المصادفة: حين تصبح القبيلة اعتراضاً على مشيئة الخالق

فيصل أبكر شرف

 

فيصل أبكر شرف 

من أعظم الحقائق التي ينبغي أن يتواضع أمامها الإنسان أنه لم يختر لحظة ميلاده، ولا أسرته، ولا لون بشرته، ولا القبيلة التي وُلد في إطارها، ولا الجغرافيا التي فتحت عيناه عليها. تلك أمور جرت بمشيئة الله وتقديره، لا يد للمرء فيها ولا فضل ذاتي له بشأنها. غير أن المأساة تبدأ حين تتحول هذه المعطيات القدرية إلى أدوات للتمييز والاستعلاء والصراع، فيصبح ما لم يكن اختياراً شخصياً معياراً للتفاضل بين الناس.

إن التعصب القبلي، في جوهره، انحراف في فهم قيمة الإنسان ورسالة وجوده. فالإنسان يُقاس بما يقدمه من خلق وعلم وعمل، لا بما وُلد عليه من نسب أو اسم أو جهة. والتفاخر بالقبيلة يشبه التفاخر بالمصادفة؛ إذ كيف يعتز المرء بشيء لم يسع إليه، ولم يبذل جهداً في تحصيله، ولم يكن له قرار في اختياره؟ إن القيمة الحقيقية تبدأ حين يصنع الإنسان نفسه بالاجتهاد، لا حين يستند إلى أمجاد يرويها الآخرون.

لقد جاء الدين ليهذب العصبيات لا ليكرسها، وليجعل التنوع باباً للتعارف والتكامل، لا سبباً للفرقة والخصام. قال تعالى: “وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم”. فالمعيار الإلهي واضح لا لبس فيه: التقوى والاستقامة، لا الدم ولا السلالة. لكن كثيراً من المجتمعات انزلقت إلى تقديس الأعراف القبلية حتى صارت، في الممارسة، أقوى من قيم العدالة والرحمة والإنصاف.

وفي السودان، كما في غيره من البلدان المتعددة، دفعت العصبيات الضيقة ثمناً باهظاً من الاستقرار والوحدة الوطنية. فقد تحولت القبيلة عند بعض الناس من رابطة اجتماعية طبيعية إلى هوية صدامية تُستدعى عند النزاعات، وتُرفع في وجه الدولة، وتُستخدم لتبرير الظلم والانحياز. وهكذا يضيق معنى الوطن، ويتراجع الانتماء العام أمام الولاءات الصغيرة.

إن الاستعلاء العرقي ليس مجرد خطأ اجتماعي، بل قصور أخلاقي وفكري عميق. فهو يقوم على وهم التفوق الموروث، بينما الحقيقة أن البشر سواء في أصل الخلق، وأن التفاضل لا يكون إلا بما يكسبه الإنسان من فضائل. وكل كلمة عنصرية تُقال، وكل حق يُهدر بسبب الانتماء، هو دين أخلاقي سيُسأل عنه صاحبه أمام الله والتاريخ.

لن ينهض السودان ما دام بعض أبنائه يرون في القبيلة وطناً بديلاً، وفي الوطن ساحة تنازع. الطريق إلى المستقبل يبدأ من ترسيخ المواطنة العادلة، واحترام التنوع، وتقديم الكفاءة على الانتماء، وبناء وجدان جديد يؤمن بأن الناس يتفاضلون بما يصنعون، لا بما صادفوا أن يولدوا عليه. فحين ينتصر الإنسان لقيمته الإنسانية، تسقط أوهام العصبية، ويبدأ الوطن في التعافي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!