رأي

في سوق النخاسة السياسي يعمل “المثقف حامل أبريق والمقاتل سهم قنيص” لعصابة المركز

مهدي عبدالله حامد 

 

مهدي عبدالله حامد 

يُقال “من يحمل الإبريق لغيره لا يحق له أن يشكو من بلل ثيابه” وهي حكمة تنضح بسخرية مرة من أولئك الذين ارتضوا لأنفسهم دور “الخادم المطيع” في بلاط نخب المركز ظانين أن مسح أحذية الجلابة سيمنحهم شرفا بينما هم في حقيقة الأمر لا يتجاوزون كونهم أدوات للاستخدام المؤقت يتم استدعاؤهم حين تشتد الأزمات ليُلبسوا ثوب “الوطنية” الزائف ويُلقى بهم في سلة المهملات التاريخية حين يطالبون بحق أصيل أو عدالة ناجزة.

بيد ان أزمة السودان منذ بزوغ فجر دولة 1956م بنيوية تمحورت حول النظام السياسي والاجتماعي وتعريف “الوطن” الذي تم اختزاله في حدود مصالح دائرة المركز معتبرة أن كل من هو خارج دائرة نفوذها الجغرافي والثقافي مجرد “تابع” أو “مشروع تابع” فإذا انصاع ابن الهامش لهذه التراتبية وصار بوقا لسياساتهم وأصبح في نظرهم “الابن البار” و”الوطني الغيور” ولكنه في اللحظة التي يرفع فيها صوته مطالبا بتغيير بنية الحكم أو داعيا إلى مساواة حقيقية يتحول فجأة إلى “حشرة وعب” أو “عميل” أو “خائن” يحمل أجندة أجنبية ضد البلاد وكأن الكرامة السودانية حكر على الذين يسكنون ضفاف النيل في العاصمة وينتمون إلي كيانات إجتماعية محددة.

وبهذا، تتجلى المفارقة الصارخة في تلك التسويات السياسية الهزيلة التي تُبرم تحت جنح الظلام حيث تُفتح الأبواب فجأة لمن كانوا بالأمس يسمونهم “متمردين” ليُقال عنهم إنهم “عائدون لحضن الوطن” وهنا نتساءل بكل موضوعية هل الوطن هو حضن النخبة الحاكمة..؟ وهل صكوك الغفران الوطنية تُوزع حسب درجة الولاء لبيع الإرادة للجلابة..؟ إنَّ هذا المنطق المعوج هو الذي أورثنا الحروب والدمار ، لأن هذه النخب لم تدرك بعد أن الشعوب قد استوعبت الدرس تماما، وسياسة استخدام القيادات الكرتونية لم تعد تنطلي على أحد فالوعي الذي تشكل في أطراف السودان اليوم أقوى من كل محاولات التزييف.

بيد أن اللوم لا يقع فقط على “عصابة المركز” المتمرسة على استخدام الفلاقنة ولكن اللوم يمتد ليشمل تلك القيادات المنحدرة من الهامش التي يبدو أنها تفتقر إلى الضمير اليقظ والعقل المستنير ، فكيف لمناضل يدعي الثورة أن يبيع دماء البسطاء ودموع الأمهات من أجل صفقة شخصية بائسة..؟ كيف يرتضي من حمل السلاح من أجل قضية كبرى أن ينتهي به المطاف باحثا عن سيارة فارهة أو سكن مريح بجوار النيل أو زوجة جاسوسة تعمل لمراقبته، متناسيا أن كرامته أثمن من كل عروضهم ،ولكن هذا السلوك يعكس حالة من “الاستلاب الثقافي” والتبعية المذلة عندما يتحول القائد العسكري أو المثقف إلى مجرد “حامل إبريق” في منازل أولياء نعمته، ممارسا دورا وضيعا يحط من قدره ومن قدر القضية التي يدعي تمثيلها.

ومن نافلة القول إنَّ التاريخ لا يرحم الإنتهازيون وهو يسجل الآن بأن هناك فرقا شاسعا بين من يبيعون كرامتهم في سوق النخاسة السياسي وبين الشرفاء من كافة بقاع السودان شمالا وشرقا ووسطا وجنوبا وغربا من الذين يعملون بقوة وبسالة لتغيير هذه المعادلات المختلة فهؤلاء الشرفاء الذين يمثلهم “تيار الثورة المسلحة” وغيره من القوى الحية هم الذين يقفون في الجانب الصحيح من التاريخ لأنهم يرفضون الحلول الترقيعية ويصرون على دولة المواطنة التي لا فضل فيها لسوداني على آخر إلا بالعطاء والالتزام بالحقوق والواجبات لإنهم يقرأون في كتاب العزة ويؤمنون بأن السودان يسع الجميع شريطة أن تُفكك بنية “الدولة القديمة” التي قامت على أنقاض كرامة المواطن ، وهنا لا عزاء للمقاتل الذي يعمل سهم قنيص ضد الشعوب السُّودانية ولا على المثقف المستلب الذي يلعب الدور الأكثر خطورة في تأبيد هذه الأزمة فهو الذي يمنح الشرعية الفكرية للظلم وهو الذي ينمق الكلمات ليبرر قمع الهامش وتهميشه بدلا من أن يكون منارة للتغيير يصبح ترسا في آلة القهر.

إن حاجتنا اليوم ماسة إلى مراجعة شاملة ومرافعات جريئة تفضح هذا العبث وتضع حدا لهذا التوهان في الدوامة المفرغة فالسودان لا يمكن أن ينهض وجزء كبير من شعبه يُعامل كأجانب في أرضهم أو كخدم لمصالح فئة صغيرة توارثت الحكم بالخديعة والحيلة ، إضافة إلى ذلك فإن التجارب السياسية المريرة أثبتت أن الاتفاقيات التي لا تخاطب جذور المشكلة ليست سوى مسكنات مؤقتة حيث إن السلام الحقيقي ينبع من الاعتراف بالآخر كشريك كامل في الوطن لا كضيف ثقيل الظل يتم التصدق عليه ببعض الفتات ، لان نخب المركز بعقليتها المتحجرة ما زالت تمارس ذات اللعبة القديمة متجاهلة أن موازين القوى قد تغيرت وان “إنسان الهامش” الذي كان يُساق إلى الحروب بالوكالة قد وعى حقوقه تماما ولم يعد يقبل بغير المشاركة العادلة في السلطة والثروة.

فيظل الرهان معقودا على تلك الإرادة الوطنية الصلبة التي ترفض الارتهان أو التبعية للواقع المهترئ والضرورة تقتضي بأن النقاط يجب أن تُوضع على الحروف بوضوح فلا وطن بلا كرامة ولا سيادة بلا عدالة ولا مستقبل لدولة تقوم على التمييز ، وكما ان أولئك الذين يظنون أنهم بامتلاكهم مفاتيح “المركز” يمتلكون مصائر السودانيين فهم واهمون حد النخاع فالفجر الجديد سيشرق من تلك السواعد التي لم تتلوث بأباريق النخب ومن تلك القلوب التي ظلت تنبض بحب الوطن الحقيقي فالسودان العريض بكل تنوعه وجماله الذي يقرأ أحراره دائما من سفر الكرامة لا من دفاتر التبعية والارتهان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!