
صديق اندر
في إحدى القرى التي تحتضنها سهول السودان الشاسعة، عُرفت امرأة باسم “أم حمد”، لم تكن مجرد سيدة عادية، بل كانت منارة للحكمة ومصدرًا للبصيرة الثاقبة. ذاع صيتها في القرى المجاورة، يشد إليها الرحال طالبو المشورة في شؤونهم العامة والخاصة، فكانت تجيب بكلمات موزونة ورؤى ناضجة، حتى بلغت سمعتها الآفاق.
وذات يوم، وقع حادث غريب في أحد الأحياء. أدخل فحل غنم (تيس) رأسه في قدرة فخارية، وتعذر إخراجه، مما أثار حيرة أهل الحي. لم يجدوا بدًا من دعوة “أم حمد” صاحبة الرأي والمعرفة والحكمة لإنقاذهم من هذا المأزق.
عندما حضرت أم حمد، أمرت بقطع رأس التيس. وبعد أن تم ذلك، لم يخرج الرأس من القدرة. فأمرت بكسر القدرة. وهكذا، لم تُبقِ القدرة سليمة، ولم تحافظ على حياة فحل المعز. “ميتة وخراب ديار”، كما يقولون، أو “جنينة وغفيرها مات”.
هذه الحادثة، على بساطتها الظاهرية، تحمل في طياتها حكمة عميقة تلامس واقعنا اليوم في تحالف تأسيس السودانى. فكم من “تأسيس” وحكومة “تأسيس” تحاول تطبيق مشاريعها الطموحة ومعالجة الخلل التاريخى في أرض الواقع، بأشخاص أقل قدرة ومعرفة ودراية، وكأنهم يحاولون استنساخ “البصيرة أم حمد” دون امتلاك حكمتها الأصيلة.
إن السودان، هذا الوطن الكبير الذي يسع الجميع، محتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى لرؤية حكيمة، ودارية عميقة، وصبر جميل، حتى ينهض من كبوته. إن تحقيق أمل أجيال المستقبل المشرق يتطلب قادة يمتلكون البصيرة الحقيقية والرؤية الثاقبة، لا مجرد مستشارين مقلدين لقراراتهم المعطوبة ،الوطن يحتاج قادة يزنون الأمور بميزان الحكمة، ويقدمون الحلول التي تحافظ على “القدرة” و”التيس” معًا، لا أن يفقدهما كليهما. وإليك العظات والعبر المستخلصة من قصة “أم حمد”
1. الحكمة الحقيقية أعمق من الحلول الظاهرية وليست كل مشكلة تتطلب حلاً جذريًا مباشرًا وقد يكون هناك مسار علمى أفضل يحافظ على الموارد ويحقق الهدف المنشود.
2. السمعة لا تعني دائمًا الصواب المطلق فرغم شهرة المستشارة أم حمد وحكمتها، فإن قرارها في هذه الحالة لم يكن الأمثل، مما يدل على أن البشر، مهما بلغوا من الحكمة، ليسوا معصومين من الخطأ.
3. فهم المشكلة من جميع جوانبهافلم تستوعب أم حمد أن رأس التيس قد دخل القدرة عندما كان طامعا ما بداخلها أو أن دخول المرحاض ليس كالخروخ منه، أو أن هناك طريقة ما لإخراجه دون تضحيات كبيرة.
4. نتائج القرارات المتسرعة كقرار قطع رأس التيس ثم كسر القدرة كان متسرعًا ولم يأخذ في الاعتبار كافة الاحتمالات أو العواقب.
ويتحتم على التأسيسيون قادة ومستشارون القيام بالاتى:
. التأني قبل اتخاذ القرارالمصيرية فيجب على القادة وأصحاب القرار دراسة المشكلات بعمق، واستكشاف جميع الحلول الممكنة، وتقييم العواقب قبل الإقدام على أي خطوة مهلكة.
. البحث عن حلول مبتكرة ومستدامة والتفكير خارج الصندوق بدلًا من الحلول المدمرة أو ذات التكلفة العالية، ينبغي السعي لإيجاد حلول إبداعية تحافظ على الموارد وتحقق الأهداف بفعالية.
. التعلم من الأخطاء حتى العلماء ومن يُعرفون بالحكمة قد يرتكبون أخطاء فادحة. الأهم هو الاعتراف بالخطأ والتعلم منه لتجنب تكراره في المستقبل.
. أهمية الكفاءة والخبرة الحقيقية ويجب أن يتولى المسؤولية من يمتلكون العلم والكفاءة والخبرة الحقيقية، لا من يدعونها أو يحاولون تقليدها دون فهم عميق.
. للسودان (ولأي أمة) حاجة ماسة للحكمة والصبر الجميل وبناء الدول يتطلب رؤية بعيدة المدى، وصبرًا على التحديات، وحكمة في إدارة الأزمات، لضمان مستقبل أفضل للأجيال القادمة.
sddgander@gmail.com
اول مايو 2026م كمبالا



