
محمد تاج الدين الحلو
قامت الحرب ونزح السودانيون، وامتدت الفوضى مع فتح السجون وارتكاب الجرائم ضد المواطنين، تحت ذرائع تحميل “الدعم السريع” مسؤولية الانتهاكات، في مشهد تختلط فيه الروايات وتتداخل فيه الحقائق.
كل هذه الفوضى لم تُراعِ معاناة المواطن السوداني، الذي تم استخدامه كضحية للمتاجرة به، وتمرير خطاب الكراهية المجتمعي لضرب ما تبقى من التماسك الاجتماعي. المواطن حاضر في كل شيء، وغائب عن كل اعتبار.
الحرب تدخل عامها الرابع، ويوميًا تتكشف للسودانيين أكاذيب مشعليها، ويتضح أن ما قيل عن “قوة موازية” كمهدد أمني، لم يكن سوى بداية لإعادة إنتاج الأزمة بواقع أكثر تعقيدًا، حيث تم خلق أكثر من قوة موازية بمسميات مختلفة وشخصيات مختلفة: القوة المشتركة، درع البطانة، البراء، قوات هلال، وقوات النور القبة، التي أصبحت تصول وتجول داخل العاصمة في مشهد غريب يعكس حجم الانفلات.
بعد أن ارتكبت قوات كيكل جرائم في حق مواطني الجزيرة، تم استقبالها والاحتفال بها، في مشهد أدهش أهل الجزيرة الذين خرجوا للإعلام في حالة ذهول من التناقض بين ما عاشوه وما يُعرض أمامهم.
خرج معتقل كان بطرف الدعم السريع ليتحدث عن تجربته، لكنه لم يستطع أن يقول ما يريد، لأن كيكل كان واقفًا بجانبه، فكان كلما نطق بكلمة التفت إليه باستغراب، لينتهي اللقاء بمشهد مرتبك يعكس حجم الخلل، بل وأضحك حتى من كانوا جزءًا منه.
عاد القبة، الذي كان يتحدث عن الظلم واستبسال الأشاوس، وقاد قواته في كردفان والفاشر حيث ارتُكبت تجاوزات، ليُستقبل لاحقًا في مشهد مهيب، عبّر عنه البرهان بنزوله من سيارته لاستقباله. القبة نفسه سرعان ما غيّر خطابه تجاه رفاقه من “الأشاوس”، واصفًا إياهم بالمرتزقة، بدلا ان يحي الذي أهداه السيارة حيا الفريق أول محمد حمدان دقلو، في تناقض يعكس طبيعة المشهد.
القوة المشتركة التي كانت تُمدح وتُؤلف لها الأغاني، ويُشاد بها ويمدح مناوي وجبريل، تحولت فجأة إلى مهدد أمني، وأصبح الشد والجذب بينها وبين حكومة بورت سودان على وشك الانفجار، بعد أن مُنحت الوزارات وبيوت بعض المواطنين على أساس إثني، لتُعامل اليوم كمرتزقة جدد.
هذا المشهد الفوضوي يؤكد أن السودان كان وما يزال بلا حكومة حقيقية، وأن ما يجري هو إدارة أفراد يعيدون نفس الأخطاء بنفس التفكير، دون اكتراث للوطن أو للمواطنين. والمؤسف أن حتى الذين انضموا إلى مربع الحرب من كردفان ودارفور تحت مسمى التنسيقيات، لم يذهبوا لقتال الدعم السريع بل انشغلوا بصناعة الأزمات وسط أهلهم، والفرح بكل مشهد فوضوي، دون مراعاة دماء بني جلدتهم.
السودان اليوم لا يحتمل هذه العقلية في مستقبله. ومن مصلحة الجميع التحرك نحو تأسيس حقيقي على أسس العدالة والمهنية، لبناء سلام مستدام يضمن مستقبل الأجيال، ويعيد لهذا الوطن معناه الذي يكاد أن يضيع .
محمد الحلو




