
عدنان إبراهيم عيسى
تتسارعُ الأحداث في المشهد السوداني بصورةٍ تكشف حجم الارتباك والانقسام الذي بات ينهش معسكر قوى الظلام، في وقتٍ تمضي فيه سفينةُ التأسيس بثباتٍ نحو غاياتها الكبرى، متجاوزةً العواصف، ومُرسيةً دعائم مشروعٍ وطنيٍّ جديد يُعيد صياغة الدولة السودانية على أسس العدالة والشراكة والكرامة.
في الضفة الأخرى، لم يعد معسكر الإرهاب متماسكاً كما كان يدّعي، بل باتت التناقضات تضربه من الداخل، وتكشف هشاشة تحالفاته، وعمق الصراع بين مكوناته. فآخر مظاهر هذا الارتباك تمثلت في انضمام ما يُعرف بـ”القبة”، ذلك النمر الورقي الذي لم يجد البرهان حرجاً في أن يركع له سياسياً، ويُغدق عليه من مال الشعب الجائع، مُهديًا إياه سيارةً فارهةً انتُزعت قيمتها من أفواه البسطاء، في مشهدٍ يلخص طبيعة هذه السلطة التي لا تعرف من الحكم سوى شراء الولاءات وتغذية الطفيليات.
غير أن هذه الخطوة لم تمر مرور الكرام داخل معسكر الارتزاق، إذ فجّرت غضباً مكتوماً وسط قادة ومليشيات الحركات المرتزقة، الذين رأوا في هذا السلوك انتقاصاً من مكانتهم كشركاء في مشروع الخراب، وكخدمٍ أوفياء لقوى الاستعمار القديم التي لا تزال تدير المشهد من خلف الستار. وهكذا بدأ التآكل من الداخل، وبدأت ملامح التمرد الصامت تتشكل في جسد التحالف المهترئ.
وفي أم درمان، تتصاعد وتيرة التصفيات والاغتيالات داخل ذات المعسكر، في مشهدٍ يعكس انهيار الثقة بين مكوناته، وتحوّل السلاح من أداة حربٍ ضد الشعب إلى أداة تصفيةٍ بين الشركاء أنفسهم. فقد شهدت المدينة خلال الأيام الماضية سلسلة اغتيالات استهدفت عناصر محسوبة على حركات الارتزاق، في مؤشرٍ واضح على دخول معسكر البرهان مرحلة الشك والتفكك والانفجار الداخلي.
ولعل أخطر تطورات الأمس تمثلت في العملية التي استهدفت منزل كيكل، والتي أودت بحياة العشرات من أفراد أسرته، في واحدةٍ من أكثر العمليات دمويةً وقسوة. ووفقاً لمصادر مطلعة، فإن أصابع الاتهام تتجه مباشرةً نحو قائد جماعة البراء بن مالك الإرهابية، الذي يُشتبه في تورطه بإدارة عملية الاستهداف عبر الطيران المسيّر، في جريمةٍ جديدة تضاف إلى سجل هذا التحالف الملطخ بالدم، وتؤكد أن معسكر الإرهاب لم يعد يتورع حتى عن تصفية حلفائه متى ما اقتضت ضرورات الصراع الداخلي.
وفي مقابل هذا المشهد المظلم، تمضي قوى التأسيس بخطى ثابتة في بناء البديل الوطني، بعيداً عن الضجيج، وقريباً من مشروع الدولة
فقد اختتمت الهيئة القيادية لتحالف السودان التأسيسي اجتماعها الثالث برئاسة الفريق أول محمد حمدان دقلو، رئيس التحالف ورئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوحدة والسلام، في محطةٍ سياسية مهمة أكدت أن مشروع التأسيس لا يزال يتحرك بوعيٍ استراتيجي، وإرادةٍ صلبة، ورؤيةٍ واضحة نحو استكمال مؤسسات الدولة الجديدة.
وقد أقرّ الاجتماع جملةً من القرارات التنظيمية المهمة، في مقدمتها إنشاء لجان متخصصة لمتابعة عمل التحالف، بما يعزز الأداء المؤسسي، ويؤسس لمرحلةٍ أكثر انضباطاً وفاعلية في إدارة الملفات السياسية والتنظيمية والتنفيذية.
وفي السياق ذاته، يواصل رئيس الوزراء الأستاذ محمد حسن التعايشي استكمال هياكل حكومة الوحدة والسلام، في خطوةٍ تعكس جدية المشروع، وانتقاله من مرحلة الرؤية إلى مرحلة الفعل والبناء. وقد أدى القسم خلال الأيام الماضية كلٌّ من أعضاء مجلس الأقاليم والمجلس العدلي المؤقت، إلى جانب تشكيلات ومجالس أخرى تمضي في ذات الاتجاه، لتأكيد أن مشروع التأسيس لا يكتفي بشعارات التغيير، بل يترجمها إلى مؤسساتٍ قائمة، وهياكلَ حاكمة، وأجهزةٍ تمارس دورها في صناعة الدولة.
إن الفارق اليوم بين المعسكرين بات واضحاً لا يحتاج إلى كثير عناء:
معسكرٌ يتآكل بالخيانة، ويتغذى على الدم، ويأكل بعضه بعضاً في صراع المصالح والغنائم،
ومعسكرٌ آخر يبني، وينظم، ويؤسس، ويمضي بثقةٍ نحو المستقبل.
هناك، في ضفة الظلام، ارتباكٌ، تصفياتٌ، وشكوكٌ، وخناجرُ متبادلة.
وهنا، في ضفة التأسيس، مؤسساتٌ، هياكلُ حكم، ورؤيةٌ تتقدم كل يوم.
وما بين مشروعٍ ينهار من الداخل، ومشروعٍ يولد من رحم المعاناة…
تواصل سفينةُ التأسيس إبحارها.




