رأي

حين تتحول مكافحة الفساد إلى عرضٍ بيروقراطي ساخر

إيمان التجاني

هيئة النزاهة

إيمان التجاني

في السودان، حين تعجز السلطة عن حل الأزمات، تكتشف فجأة فضيلة “تكوين الهيئات”. هيئة للحوار، هيئة للطوارئ، هيئة للأزمات، هيئة للسلام، والآن… هيئة للنزاهة والشفافية. يبدو أننا البلد الوحيد الذي يواجه الانهيار الكامل بإنتاج المسميات الطويلة واللافتات اللامعة.

آخر الابتكارات جاءت من سلطة بورتسودان، التي قررت – بكل ثقة – إعلان الحرب على الفساد عبر تعيين الفريق شرطة عابدين الطاهر رئيساً لهيئة النزاهة والشفافية. وهنا فقط يبدأ الجزء الكوميدي من القصة، لأن المشهد كله يشبه إعلان ذئبٍ تأسيس جمعية لحماية الخراف.

السلطة التي فشلت في حماية المواطن من الجوع، والكهرباء من الانقطاع، والعملة من الانهيار، قررت فجأة حماية “النزاهة”. وكأن الفساد في السودان مجرد لص نشال في السوق العربي، وليس منظومة كاملة تمد جذورها في تفاصيل الدولة منذ عقود.

المثير للسخرية أن الحكومات السودانية لا تحارب الفساد، بل تديره بأسلوب بيروقراطي أنيق. كلما ارتفعت رائحة الفساد، يتم رش عطر جديد اسمه “الإصلاح المؤسسي”. وكلما غضب الناس، يظهر مسؤول أمام الكاميرات ليتحدث عن “الشفافية”، ثم يختفي الملف في درجٍ عميق لا يفتحه أحد إلا يوم القيامة.

هيئة النزاهة الجديدة تبدو كأنها محاولة لتركيب “إشارة مرور” في شارع بلا إسفلت أصلاً. فكيف يمكن الحديث عن الشفافية في دولة لا يعرف مواطنوها أين تذهب الموارد؟ وكيف يمكن الحديث عن مكافحة الفساد بينما كبار الفاسدين يتحركون بحرية أكثر من سيارات الإسعاف؟

ثم من العبقري الذي قرر أن الحل هو إنشاء هيئة جديدة؟ السودانيون لا يحتاجون إلى هيئة إضافية، بل يحتاجون إلى دولة تحترم القانون. لأن المشكلة ليست في غياب المؤسسات، وإنما في غياب الإرادة. لدينا ما يكفي من المجالس والمفوضيات واللجان لدرجة أن المواطن لو رمى حجراً في أي شارع قد يصيب رئيس هيئة أو عضو لجنة عليا.

في السودان، الهيئة لا تُنشأ لمحاربة المشكلة، بل لتجميلها. هي مجرد “ديكور إداري” يوضع فوق الجرح حتى لا تبدو الرائحة فاضحة. ولهذا أصبحت كلمة “مكافحة الفساد” نفسها تثير الضحك أكثر من الطمأنينة.

السلطة تتحدث عن الشفافية، بينما المواطن لا يستطيع حتى معرفة سعر الدولار قبل أن يتغير ثلاث مرات في اليوم. تتحدث عن النزاهة، بينما الوظائف تُوزع بالعلاقات، والمناصب تُفصل بالمقاس، والقرارات تُصنع داخل الغرف المغلقة ثم تُقدّم للشعب باعتبارها إنجازات وطنية عظيمة.

في النهاية، يبدو أن هيئة النزاهة الجديدة لن تحارب الفساد فعلاً، بل ستحارب فقط “سمعة الفساد”. ستكتب التقارير، وتعقد الاجتماعات، وتصدر البيانات، ثم يعود الجميع إلى أعمالهم الطبيعية: إدارة الخراب بأناقة رسمية.

أما المواطن السوداني، فقد صار خبيراً في قراءة المشهد. لذلك استقبل الخبر بابتسامة ساخرة، وكأنه يسمع نكتة قديمة يعرف نهايتها مسبقاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!