
جيلان شريف
السودان اليوم ليس فقط ضحية حرب داخلية، بل أصبح ساحة مفتوحة لتقاطع مشاريع إقليمية ودولية تتصارع فوق أرضه وبدماء شعبه.
تتدخل بعض الدول بشكل مباشر أو غير مباشر في الأزمة السودانية؛ بالسلاح، والمال، والاستخبارات، والتحالفات السياسية، ودعم أطراف الصراع وفقًا لمصالحها الخاصة، لا وفقًا لمصلحة السودان ووحدته وأمنه وأمانه كما تصوره لنا المباحثات الحثيثه لوقف الحرب واستعادة المسار المدني والديمقراطي ٠
كل دولة تبحث عن نفوذ، أو حدود آمنة، أو مكاسب استراتيجية، أو موارد، أو موطئ قدم جديد في المنطقة، بينما يدفع السودانيون وحدهم ثمن هذا الصراع من أرواحهم واستقرارهم ومستقبل أجيال مناط بها بناء الدولة السودانية ٠
وفي ظل هذا التشابك الخطير، يصبح السؤال المصيري:
هل الحل هو الانجرار إلى مواجهات عسكرية أوسع وتحويل السودان إلى مركز لحروب الوكالة الإقليمية؟
أم أن الطريق الوحيد الواقعي يبدأ من الداخل، عبر اتفاق السودانيين على وقف الحرب، واستعادة القرار الوطني، وإغلاق الأبواب أمام التدخلات الخارجية التي تتغذى على الانقسام والفوضى؟
هناك دول معينه متدخلة في حرب السودان بدرجات متفاوتة، لكن السؤال الحقيقي: ما هو الحل؟
هل المواجهة العسكرية المفتوحة مع هذه الدول، بما يعني عمليًا تحويل السودان إلى ساحة لحرب وكالة إقليمية؟ أم أن الحل يبدأ من الداخل، عبر اتفاق السودانيين على إيقاف الحرب كطريق وطني وعملي لسد ثغرات التدخلات الإقليمية الخبيثة؟
هل يستطيع السودان محاربة كل هذه الدول أو حتى جزءًا منها؟
بداهةً، السودان الذي يعيش احترابًا أهليًا شرسًا، ويعاني من كارثة إنسانية وانهيار شامل، غير مؤهل لخوض حرب خارجية. لذلك يجب أن تكون أولويته القصوى إيقاف النزيف الداخلي واستعادة تماسك الدولة والمجتمع.
مصر — ولمصالح تخصها وحدها — تسعى لإضعاف النظام في إثيوبيا عبر تقوية جبهة التيغراي وغيرها من الفصائل المناوئة هناك، وتريد استخدام السودان ضمن هذا الصراع الإقليمي. وإذا افترضنا تورط السودان في مواجهة عسكرية مع إثيوبيا، فهل ستسنده مصر حقًا إذا تعرض لهجوم واسع أو حرب ممتدة أو حتى احتلال لأجزاء من أراضيه؟
لا أظن أن الجيش السوداني، ولا قوى النظام الإسلامي التي سيطرت على الدولة لسنوات، قد نجحت في فرض سيادة وهيبة الدولة، سواء عبر الاتفاقات والمفاوضات أو عبر الحسم العسكري.
جيشٌ برع في الانقسام الداخلي على مستوى الأرض والشعب، أكثر مما برع في حماية الوطن وبناء دولة مستقرة.
وكل ما قد تفعله مصر هو استغلال حالة الضعف السوداني للتوغل الأمني والعسكري وتحقيق مزيد من النفوذ والمصالح، تحت شعارات الأخوة والتاريخ المشترك.
فالسياسات تُبنى على المصالح لا على العواطف.
الحلول الدبلوماسية للسودان ليست في الاندفاع نحو حرب مع إثيوبيا أو خلق توترات مع دول الجوار مهما بلغت الخلافات. السودان هو الحلقة الأضعف في أي مواجهة إقليمية مفتوحة، وسيخسر كثيرًا إذا تحولت أراضيه إلى ساحة صراع بالوكالة.
على الجيش السوداني أن يدرك أن أي دولة تتعامل معه ستتعامل وفق مصالحها أولًا، لا وفق مصلحة السودان. وقد تُقدَّم له وعود بالدعم والمساندة، لكن ضمن حدود تخدم أجندات الآخرين، لا استقرار السودان ووحدته.
ما يحتاجه السودان اليوم ليس توسيع دائرة الحرب، بل توسيع دائرة الحوار الوطني.
ليس فتح جبهات جديدة، بل إغلاق الجراح المفتوحة داخل الوطن.
ألم يحن الوقت أن تجتمع كل القوى والكيانات السياسية والمدنية والمجتمعية حول مشروع وطني حقيقي يضع وحدة السودان فوق كل اعتبار؟
ألم يحن الوقت للانتقال من منطق التخوين والإقصاء إلى منطق الحوار والتوافق؟
ألم يحن الوقت لأن تتوحد كل المبادرات تحت شعار واضح:
لا للحرب… نعم لوحدة السودان وسلامه؟
الحل الوحيد الواقعي هو وقف الحرب، وفتح حوار سوداني شامل، وبناء دولة تقوم على المواطنة والعدالة، لا على السلاح والاستقطاب والتبعية للمحاور الإقليمية.
فالسودان لن ينجو بالحروب، بل بإرادة السودانيين أنفسهم.




