الشطارة أم الفساد؟ صعود الكارتيلات الاقتصادية في السودان وأثرها النفسي والمجتمعي على الاستقرار السياسي
عماد جدو

عماد جدو
في السودان، لم تعد الثروة وحدها معيار النفوذ، بل أصبحت “العلاقة” هي رأس المال الحقيقي. فمنذ سنوات طويلة، تشكلت طبقة جديدة من رجال الأعمال والسماسرة والوسطاء الذين صعدوا بسرعة مذهلة عبر بوابات السلطة، لا عبر الإنتاج أو الابتكار أو المنافسة الحرة. هذه الطبقة التي يطلق عليها الشارع السوداني أوصافاً متعددة مثل “ الجوكية. ” أو “أصحاب الامتيازات” أو “أولاد السوق السياسي”، أصبحت اليوم واحدة من أخطر الظواهر الاجتماعية والسياسية التي تعيد تشكيل الوعي السوداني بصورة عميقة.
هذه الجماعات لم تنشأ داخل بيئة اقتصادية طبيعية، بل خرجت من رحم الأزمات والحروب والفساد وضعف الدولة. فكلما انهارت المؤسسات الرسمية، تمددت شبكات المصالح الخاصة، وكلما ضعفت الرقابة، ازدهرت تجارة العملة والسمسرة والامتيازات الحكومية. ومع مرور الوقت، تحولت هذه الشبكات إلى كارتيلات اقتصادية تمتلك المال والنفوذ والعلاقات الأمنية والسياسية، بل وأصبحت جزءاً من بنية الحكم نفسها.
في حكومة بورتسودان، كما في الحكومات السابقة، التي نمت وتمددت في ظل حكومة الانقاذ .برز اعتماد واضح على رجال الأعمال المرتبطين بمراكز النفوذ لتسيير كثير من الملفات الحساسة، من استيراد المواد البترولية إلى الخدمات اللوجستية والتحويلات المالية وتوفير النقد الأجنبي. وهنا لم تعد العلاقة بين الدولة ورأس المال علاقة تنظيم ورقابة، بل تحولت إلى شراكة مصالح متبادلة؛ تقدم فيها الحكومة الامتيازات والعقود والإعفاءات، بينما يقدم رجال الأعمال التمويل والخدمات والولاءات السياسية.
ومن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لم تعد تُنظر إليها باعتبارها فساداً، بل أصبحت في المخيال الشعبي نوعاً من “الشطارة”. فالشاب الذي يرى شخصاً محدود التعليم أو الخبرة يتحول خلال سنوات قليلة إلى صاحب شركات وعقارات وجواز دبلوماسي وعلاقات مع كبار المسؤولين، سيبدأ تدريجياً في إعادة تعريف النجاح نفسه. لم يعد النجاح مرتبطاً بالاجتهاد أو العلم أو المهنة، بل بالقدرة على الوصول إلى مراكز النفوذ والالتفاف حول القانون واستغلال العلاقات.
وهنا يظهر البعد النفسي الخطير للظاهرة. إذ تتعرض المنظومة القيمية في المجتمع السوداني إلى عملية تآكل بطيئة. فحين يصبح الفساد مقبولاً اجتماعياً، ويتحول أصحاب الامتيازات إلى رموز نجاح وشخصيات مؤثرة في الرياضة والفن والإعلام، يفقد المجتمع حساسيته الأخلاقية تجاه المال المشبوه. بل إن بعض هذه الشخصيات أصبحت تحظى بإعجاب شعبي واسع، وتُستقبل في المناسبات العامة باعتبارها “نماذج ملهمة”، رغم أن مصادر ثرواتها المشبوه وا لمرتبطة بالاحتكار أو تجارة العملة أو استغلال النفوذ.
لقد نجحت هذه الكارتيلات في اختراق المجال الرياضي والفني والاجتماعي بذكاء شديد. فهي تمول الأندية، وترعى الحفلات، وتدعم المشاهير، وتقدم نفسها كراعٍ للمجتمع، بينما تعمل في الخلفية على توسيع شبكاتها الاقتصادية والسياسية. وبهذا الأسلوب، يتحول المال السياسي إلى وسيلة لإعادة تشكيل الذوق العام وتطبيع الفساد داخل الحياة اليومية.
الأخطر من ذلك أن هذا النموذج خلق حالة من الإحباط النفسي لدى قطاعات واسعة من الشباب. فحين يرى الخريج أو الموظف البسيط أن الطريق الطبيعي للعمل الشريف لا يقود إلى حياة كريمة، بينما تقود “العلاقات” و”السمسرة” و”المضاربات” إلى الثراء السريع، تبدأ القناعة العامة في الانهيار. ومن هنا تنمو ثقافة الانتهازية والبحث عن الحماية بدلاً من البحث عن الإنتاج.
هذه البيئة تنتج مجتمعاً هشاً سياسياً؛ لأن الاقتصاد القائم على الامتيازات لا يؤمن بالدولة المؤسسية، بل يعتمد على الولاءات الشخصية. ولذلك فإن الكارتيلات الاقتصادية غالباً ما ترتبط ببقاء الأنظمة الضعيفة والمضطربة، لأنها تستفيد من غياب الشفافية واستمرار الفوضى. ولهذا السبب، فإن كثيراً من النخب الاقتصادية في السودان ظلت مرتبطة بالنخب العسكرية والسياسية بصورة عضوية، بحيث أصبح من الصعب الفصل بين المال والسلطة.
ومن منظور علم الاجتماع السياسي، فإن أخطر ما يهدد استقرار الدول ليس الفقر وحده، بل انهيار العدالة الرمزية داخل المجتمع. أي شعور الناس بأن الفرص لم تعد متساوية، وأن النفوذ أهم من القانون، وأن النجاح لا يأتي عبر الكفاءة بل عبر القرب من أصحاب القرار. وعندما يترسخ هذا الإحساس، تبدأ الثقة العامة في الدولة بالتآكل، وتتحول السياسة إلى صراع شبكات ومصالح لا مشروع وطني.
السودان اليوم لا يواجه فقط أزمة حرب أو سلطة، بل يواجه أزمة قيم أيضاً. فحين تتحول “الشطارة” إلى مرادف للتحايل والفساد واستغلال النفوذ، يصبح المجتمع مهدداً بفقدان بوصلته الأخلاقية. وهذا أخطر على المدى الطويل من أي أزمة اقتصادية أو عسكرية، لأن الأمم يمكن أن تعيد بناء مدنها، لكنها تحتاج عقوداً طويلة لإعادة بناء منظومتها القيمية إذا انهارت.
إن مواجهة هذه الظاهرة لا تتم بالشعارات، بل ببناء دولة مؤسسات حقيقية، وفرض الشفافية، وربط الثروة بالإنتاج، وتجفيف اقتصاد الامتيازات، وإعادة الاعتبار لقيم العمل والكفاءة والنزاهة. فالدول التي تحكمها الكارتيلات قد تبدو مستقرة لفترة قصيرة، لكنها في الحقيقة تبني تحت سطحها مخزوناً هائلاً من الغضب والاحتقان وانعدام الثقة، وهي عوامل تنفجر عاجلاً أم آجلاً في وجه الجميع.




