رأي

آلية عمل الكيزان في مواجهة تحديات البقاء في السلطة

طارق عبدالعزيز

 

 طارق عبد العزيز

تمكّن الإسلامويون، أو ما يُعرفون بـ(الكيزان)، من اعتلاء سدة الحكم في السودان عام 1989م، ولا تزال آثار نفوذهم وتحكمهم في القرار السياسي ماثلة حتى اليوم، وتُعدّ هذه الحرب اللعينة — في نظر كثيرين — أحد أبرز تجليات ذلك النفوذ.

ويثور هنا تساؤل مشروع: كيف تمكّن الكيزان من الاحتفاظ بالسلطة والتأثير في القرار السياسي طوال هذه العقود؟

في تقديري، يعود ذلك إلى أربعة محاور رئيسية:

أولها: التغلغل داخل المؤسسة العسكرية.

وثانيها: استقطاب شرائح مؤثرة من المجتمع السوداني عبر المصالح والمنافع.

وثالثها: السيطرة على المجال الإعلامي.

ورابعها: بناء قوة مالية داعمة لاستمرار النفوذ.

وسأحاول فيما يلي توضيح هذه المحاور، مع الإقرار بوجود عوامل أخرى، غير أن هذه المساحات الأربع تبدو الأكثر تأثيراً من حيث التكتيك السياسي وآليات الالتفاف التي أتقنها الكيزان عبر السنوات.

أولاً: التغلغل داخل المؤسسة العسكرية

لا يخفى على أحد أن هذه المساحة تُعدّ من أخطر أدوات التمكين التي انتهجها الإسلامويون منذ استيلائهم على السلطة عام 1989م. فقد أدركوا مبكراً أن بقاءهم في الحكم لن يكون ممكناً من دون ضمان ولاء المؤسسة العسكرية، باعتبارها سقف الحماية لأي نظام سياسي.

ومن هنا، جرى — بحسب ما يراه كثير من المراقبين — تنفيذ خطة طويلة المدى تقوم على الدفع بعناصر موالية للتنظيم إلى الكلية الحربية والمؤسسات العسكرية المختلفة، مع ترسيخ مفهوم الولاء العقائدي للقيادة السياسية. وقد أثمرت هذه السياسة، بمرور الزمن، عن وصول عدد كبير من تلك العناصر إلى رتب عسكرية عليا، الأمر الذي مكّنهم من إحكام النفوذ داخل المؤسسة العسكرية، وإقصاء أو إضعاف العناصر الوطنية غير المنسجمة مع مشروعهم السياسي.

وتبقى شواهد هذا التغلغل — في نظر قطاع واسع من السودانيين — معروفة ومتداولة، بما يغني عن تفصيلها.

ثانياً: استقطاب شرائح مؤثرة من المجتمع السوداني

يبدو أن هذه السياسة بدأت بصورة أكثر تنظيماً بعد نحو عشر سنوات من وصولهم إلى الحكم، خاصة عقب تصاعد حالة السخط الشعبي والانقسامات التي أعقبت المفاصلة الشهيرة داخل الحركة الإسلامية.

وقد ركّزت عملية الاستقطاب على شرائح بعينها، مثل: الطلاب، والقضاة، والمحامين، والإعلاميين، ورجال الأعمال، والإداريين، ومنظمات المجتمع المدني، وبعض المفكرين والأكاديميين. وتم ذلك — وفقاً لما يُتداول — عبر لقاءات ومبادرات رُفعت فيها شعارات الوطنية والمصلحة العامة، واتسمت في ظاهرها بالانفتاح والود، لكنها أفضت لاحقاً إلى بناء شبكة واسعة من العلاقات والمصالح المتبادلة.

ففي الجامعات، جرى — بحسب منتقدي النظام — تسهيل فرص الحصول على الدرجات العلمية لبعض الموالين. وفي الجهاز القضائي، تم إحلال عناصر موالية محل أخرى ذات توجهات مستقلة. أما في الوسط القانوني والإعلامي، فقد استُخدمت الامتيازات المهنية، والابتعاث، وتسهيلات العمل والنشر، كوسائل للاستقطاب وكسب الولاءات.

وبمرور الوقت، تكوّنت — بحسب هذا التصور — شبكات دعم تعمل بأشكال مختلفة، وتُظهر نفسها وفق مقتضيات الظرف السياسي، بما في ذلك ارتداء شعارات الوطنية أو الثورة أو الحياد، بينما تؤدي عملياً دوراً داعماً للمشروع الإسلاموي.

ثالثاً: السيطرة على المجال الإعلامي

تُعدّ هذه المساحة من أكثر الأدوات تأثيراً في مشروع الإسلامويين السياسي، وربما أخطرها على الإطلاق. ويُقال إن الاهتمام ببناء النفوذ الإعلامي بدأ منذ سبعينيات القرن الماضي، حين جرى تشجيع عناصر شبابية من الاتجاه الإسلامي على دراسة الإعلام والانخراط في مؤسساته المختلفة، انطلاقاً من قناعة بأن الإعلام سيكون أداة الحسم الكبرى في المستقبل السياسي.

وبعد انقلاب يونيو 1989م، أحكم النظام سيطرته على وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، وسخّرها لبث خطابه العقائدي والسياسي. ومع تطور وسائل الاتصال الحديثة، امتد هذا النفوذ إلى الإعلام الإلكتروني ومنصات التواصل الاجتماعي، عبر ما عُرف شعبياً بـ(الجداد الإلكتروني).

وقد برع هذا النشاط — بحسب منتقديه — في إدارة الحملات الإعلامية داخل المنصات الرقمية، خصوصاً عبر مجموعات الواتساب والفيسبوك، من خلال توجيه الخطاب، وتنسيق الردود، وتبنّي هويات متعددة تتناسب مع طبيعة الموقف السياسي، بما في ذلك الظهور أحياناً بمظهر الثوري أو الوطني المستقل.

ويبدو أن هذه المنهجية استندت إلى قناعة راسخة لدى قادة الحركة الإسلامية بأن الإعلام سيكون الأداة الأكثر تأثيراً في تشكيل الوعي والسيطرة على المجال العام خلال الألفية الجديدة.

رابعاً: القوة المالية

لا يمكن إغفال البعد المالي بوصفه أحد أهم ركائز استمرار النفوذ السياسي. فقد تمكّن الإسلامويون — بحسب كثير من الآراء — من بناء نفوذ واسع داخل القطاع المصرفي، سواء في البنوك التجارية أو البنك المركزي، إضافة إلى امتلاك مصالح واستثمارات في شركات ومؤسسات مختلفة داخل السودان وخارجه.

وقد وفّرت هذه القوة المالية دعماً كبيراً لاستمرار نفوذهم السياسي والتنظيمي، بل ويرى البعض أنها تُستخدم حالياً في تمويل الحرب بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

كما تُنسب إلى د. حسن الترابي مقولات تؤكد أن القوة العسكرية والمالية تمثلان الدعامة الأساسية لأي مشروع عقائدي يسعى إلى الاستمرار والبقاء.

ختاماً

يبدو أن هذه الآليات لا تزال فاعلة حتى اليوم، وأن الخروج من هذه المنظومة قد يكلّف بعض المنخرطين فيها ثمناً باهظاً، سواء عبر التهديد بكشف المصالح والارتباطات، أو — في بعض الحالات — عبر أساليب أكثر قسوة.

ويبقى الأمل معقوداً على أن يتمكن السودان من تجاوز هذه المرحلة المعقدة، وبناء وطن يقوم على الشفافية والمؤسسات الوطنية المستقلة، بعيداً عن الهيمنة الأيديولوجية والصراعات التي أنهكت البلاد.

فالكلمة الحرة في أوقات الأزمات والحروب تظل أكثر شجاعة وأثراً من قولها بعد انكشاف الحقائق واستقرار المآلات.

والله ولي التوفيق…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!